وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ... بما عصوا وكانوا يعتدون 61
الجزء ٣ · صفحة ٣١٨أحكام، وطمسوا ما فيها من بشائر نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، إلا ما فاتهم، بقى متلوا إلى اليوم.
وقتلهم النبيين كان بسبب أمرهم إياهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وهو ما ثبت في كتبهم، فقد قتلوا أشعيا بن أموص بنشره على جذع شجرة في عهد الملك منسي سنة ( 700 ) قبل الميلاد، وأرمياء الذي رموه بالحجارة حتى مات لأنه وبخهم على منكراتهم، وكان ذلك في أوساط القرن السابع قبل الميلاد، وفي عهد المسيح عليه السلام قتلوا زكريا ويحيى سلام الله عليهما إرضاء لشهواتهم، وهموا بقتل المسيح نفسه لولا أن الله سبحانه حفظه، كما هموا بقتل نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وأشكل على بعض المفسرين تمكنهم من قتل النبيين مع قوله تعالى: ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون )(23) ، وأجاب بعضهم عن هذا الإشكال بأن الآية نصت على نصر المرسلين، ولم تنص على نصر النبيين، فكانوا لا يُمكَّنون من قتل من كان نبيا رسولا لوعد الله للرسل بالنصر، وإنما يتمكنون أحيانا من قتل من كان نبيا ولم يكن رسولا.
وهذا الجواب مردود لأمرين:
أولهما: ثبوت النص على قتلهم الرسل في قوله تعالى: ( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون )(24) .
وثانيهما: أنهم قتلوا من قتلوا من النبيين بسبب دعوتهم إلى الحق وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وفي ما يدل على أنهم كانوا متحملين برسالة ومؤدين لها على أن الله عز وجل ذكر زكريا ويحيى في ضمن جماعة من الأنبياء، ثم قال: ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة )(25) ، وقال في يحيى: ( مصدقا بكلمة من الله )(26) وقال فيه: ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا )(27) ، وفي هذا ما يدل على أنهما كانا نبيين مرسلين.
وإنما يدفع ما ذكروه من الإشكال حمل النصر الذي وعد الله به المرسلين على نصر دعوتهم بالحجة والبرهان، وكون العاقبة لها، أو أن هذا وعد خاص