جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) 62

الجزء ٣ · صفحة ٣٤٩

فلما تنصر قسطنطين إمبراطور الروم حملهم بالسيف على التنصر، وهذا الذي جعلهم في حكم النصارى حتى عملوا معاملتهم في الإسلام، والنصارى تسميهم يوحنّاسية نسبة إلى يوحنا المعمدان، وهو يحيى عليه السلام ، وذكر ابن حزم أن دينهم الذي ينتحلونه هو أقدم أديان الدهر والغالب على الدنيا إلى أن أحدثوا فيه ما أحدثوا فبعث الله إبراهيم عليه السلام ، ولئن كان كذلك فهم كانوا على التوحيد إلى أن شابوه بالمعتقدات الضالة، ومن القائلين من قال: إنهم الكلدانيون الذين بُعث إبراهيم صلى الله وسلم على نبينا وعليه بدعوتهم إلى الهدى ودين الحق.

وشُهرت الصابئة بالحرنانية – نسبة إلى حران على غير قياس – ولعل هذه النسبة خاصة بصابئة الشام لكون حران حاضرتهم، ويحتمل أن تكون سرت إلى غيرهم من الصابئين، وذكر ابن تميمة أن معبدا كبيرا كان لهم تحت جامع دمشق قبلته إلى القطب الشمالي، ويرى ابن تميمة أن الصابئين المعنيين في الآية هم الذين اتبعوا ملة إبراهيم إمام الحنفاء قبل نزول التوراة والإنجيل ثم دانوا بالتوراة ثم الإنجيل قبل نسخهما وتبديلهما بخلاف المتمجسين منهم والذين ابتدعوا الشرك فصاروا مشركين كالفلاسفة الذين أنكروا المعاد، أو الذين أنكروا وأنكروا حدوث العالم كأرسطو.

ويومئ كلامه إلى أن فلاسفة أثينا كانوا من الصابئين وأن أسلافهم كانوا من أهل التوحيد.

وعد من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً من هؤلاء بالأجر عند ربهم وعدم الخوف والحزن، وفي المراد بقوله: ( من آمن ) قولان: قيل أُريد به من التزم بالعقيدة الصحيحة التي بعث بها النبي المُرسلُ إلى أمته والتزم بما تقتضيه من العمل، وعليه فإن هؤلاء هم الذين درجوا على نهج الرسل السابقين قبل نسخ شرائعهم، وقيل: أُريد به من آمن بالنبي الخاتم – صلوات الله وسلامه عليه – عندما بُعث بالملة الخاتمة والشريعة الجامعة، مصدقاً لما أنزل قبله على النبيين – صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين-

١٬١٠٧ / ١٬٢٢٠