( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) 62
الجزء ٣ · صفحة ٣٥٠وعليه فالآية نزلت داعية إلى الإيمان به، - صلوات الله وسلامه عليه- وترك التشبت بشيء من الملل والشرائع السابقة بعدما نسخت بما جاء به- صلوات الله وسلامه عليه- وإنما خُصَّ اليهود والنصارى والصابئين بالذكر من بين سائر أصحاب الملل والديانات لأنهم أجدر بالسبق إلى الإيمان لمعرفتهم بالنبوات وما بقي عندهم من علم الكتاب الذي ينطوي على بشائر جَليّية ببزوغ شمس الرسالة المحمدية الطاوية لضلام الجهل والشك، وذِكرُ الين آمنوا قبلهم للحكمة التي أومأت إليها من قبل، وهذا القول الأخير أرجح في نفسي مما قبله.
والإيمان بالله يَصْدُق على الإيمان بذاته وصفاته وأفعاله، ومن أفعاله التي يجب بها الإيمان: بعثُهُ الرُّسل، وإنزاله الكتب، فيستنتج من هذا دخول أركان الإيمان الستة التي ورد بها حديث جبريل عليه السلام في مدلول الإيمان بالله وإنما تُلي بذكر الإيمان باليوم الآخر مع أنه من بين هذه الأركان لأهميته، فإنه أقوى العوامل في تقويم المنحرفين وردَّ الشاردين، وذلك أنًّ الإنسان بإيمانه بالخالق العظيم تنبعث في نفسه بواعث على طاعة هذا الخالق الذي أحسن صنعه وصنع كل شيء، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، ولكن مؤثرات شَتَّى – منها نفسيٌّ ومنها أجنبي- كثيراً ما تقف بهذه البواعث وتصرف النفس عن الشكر إلى الكفران، وعن الطاعة إلى العصيان، وعن الذكر إلى الغفلة، وعن الهدى إلى الضلالة، فتيار الشهوات العارمة قد يقتضي على كل أثرٍ للضمير في النفس، وعواطف الغرائز الهوجاء قد تطفئ كل جذوة من العقل، إلا أنه إذا آمن مع ذلك بالمعاد الذي يحاسب فيه على ما تقدم وأخر، وأسرّ وأعلن قوي في نفسه جانب عقله وضميره وأمكنته مقاومة شهواته وغرائزه وتذليلها حتى يقتادها في النهج السويّ، فتكون منا شيء للرحمة والخير والإحسان، ومن هنا كان المؤمن بالله واليوم الآخر آخذاً من حبل الإيمان بطرفيه، وهذه حكمة اقترانهما وتكررهما في القرآن والسنة خصوصاً في معرض