جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون * ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين )63 ,64

الجزء ٣ · صفحة ٣٥٦

وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله )(9) والآية التي بعدها والصحيح الأول بدلالة ( خذوا ما آتيناكم ) عليه.

وكثير من أهل العلم تصوروا إشكالا في القصة حاصله أن فيها ذكر إكراها على قبول التكليف، والأصل في التكليف أن يكون المكلف على حالة يتمكن فيها من القبول والرفض، فإن قبل سعد، وإن رفض شقي، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ( لا إكراه في الدين )(10) ، وقوله: ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين )(11) .

واختلفوا في الإجابة على هذا الإشكال الذي تصوروه، منهم من قال إن الله خلق في نفوس بني إسرائيل – والجبل مظل فوقهم – الاختيار فاختاروا القبول، ومنهم من قال: إن هذه الحالة لا تعد إكراها إذ لو ظل الجبل كذلك لألفوه كما ألفنا نحن وغيرنا من الناس الأجرام السماوية فوقنا من غير أن نخشى تساقطها علينا، ومنهم من قال بأن عدم الإكراه في التكليف خاص بهذه الأمة؛ وهي إجابات عارية عن الدليل.

وعد ابن عطية الجواب الأول قاطعا حيث اعتبره لا يصح سواه وتعقبه الشوكاني بقوله: ( وهذا تكلف ساقط حمله عليه المحافظة على ما قد ارتسم لديه من قواعد مذهبية قد سكن قلبه إليها كغيره – قال – وكل عاقل يعلم أنه لا سبب من أسباب الإكراه أقوى من هذا أو أشد منه، ونحن نقول أكرمهم الله على الإيمان فآمنوا مكرهين، ورفع السيف عن العذاب بهذا الإيمان، وهو نظير ما ثبت في شرعنا من رفع السيف عن من تكلم بكلمة الإسلام والسيف مصلت قد هزه حامله على رأسه، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن قتل من تلكم بكلمة الإسلام معتذرا عن قتله لأنه قالها تقية ولم تكن عن قصد صحيح: ( أأنت فتشت عن قلبه )، وقال: ( لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس )(12) .

وبهذا الذي قاله الشوكاني ينجلي غيم الإشكال.

والمراد بالطور الجبل كما في آية الأعراف، وهو عند ابن جرير الطبري اسم عربي لمطلق الجبل، وأنشد قول العجاج:

١٬١١٤ / ١٬٢٢٠