جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون * ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين )63 ,64

الجزء ٣ · صفحة ٣٥٥

ولذلك وُصف في آية الأعراف بقوله: ( وإذ نتفنا الجبل فوقهم كأنه ظلة ) ( نتفه: زعزعه ونقضه )، حتى يُخيل إليهم أنه يهتز، وهذا نظير قولهم ( استطارة إذا أزعجه فاضطرب، فأعطوه العهد وامتثلوا بجميع ما أمرهم الله تعالى. وقالوا: ( كل ما تكلم به نفعله فقال الله لموسى فليؤمنوا بك إلى الأبد )، وليس في كتاب بني إسرائيل ولا في الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن الله قلع الطور من موضعه ورفعه فوقهم، وإنما ورد ذلك في أخبار ضعاف فلذلك لم نعتمده في التفسير )(7) .

وكلامه واضح في أنه التبست عنده قصة بقصة، فجعل القصتين قصة واحدة، وهما اندكاك الطور عندما تجلى له الله بآياته الكبرى، ورفعه فوق بني إسرائيل عندما أُخذ عليهم الميثاق، مع أن اختلاف القصتين بينِّ لمن تدبرها فآية التجلي ذكرت اندكاك الجبل وآيات الميثاق ذكرت رفعه وشتان بين الأمرين، والاستدلال بما عند أهل الكتاب على مقاصد التنزيل غير سديد بعد ثبوت تحريفهم لما أنزل، ولبسهم الحق بالباطل.

ويؤيد قول الجمهور تشبيه الجبل بالظلة – وهي السحابة سميت بذلك لإظلالها من تحتها – فإن هذا التشبيه لا يتفق مع بقاء الجبل مكانه مستقرا في الأرض كما يؤيده أن الرفع لو أُريد به ما ذكر من علو الجبل لم تكن فائدة من ذكره في هذا السياق، فإن الجبل بحالته الطبيعية ليس مرفوعا في هذه الحالة فحسب ولا على بني إسرائيل فقط، بل ارتفاعه منذ خلق وفوق كل من يأتي تحته، وما ذكر من ظنهم وقوعه بهم بنفي كل لبس في المعنى ويجتث كل شبهة في التأويل لأن الوقوع لغة هو السقوط، والسقوط المخشي إنما هو سقوط ما كان بالجهة العلوية لا بالجهة المحاذية، ومن ناحية أخرى فإن الجبل مع بقائه على حاله متمكن في الأرض بقراره فيها فلا معنى لظنهم – مع ذلك – أنه واقع بهم.

والنتق يطلق على الرفع بالجذب الشديد الذي تكون معه زعزعة كنتق الغرب .

وأخذ الميثاق هو تكليفهم بمضمون التوراة، وقيل: هو ما دل عليه قوله تعالى: (

١٬١١٣ / ١٬٢٢٠