جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين* فجعلناها نكالا بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ) 65, 66

الجزء ٣ · صفحة ٣٦١

بلدة على خليج صغير من البحر الأحمر في أطراف مشارق الشام، وتعرف اليوم بالعقبة، وهي غير إيلياء التي هي بيت المقدس(4)فابتلاهم الله لسابق فسوقهم5 بأن كانت الحيتان تدنو من الساحل في السبت حتى تشرع خراطيمها إليه وتخفى في سائر الأيام لغوصها في عمق البحار، فصبروا على ذلك برهة، ثم أخت طائفة منهم تتحايل على اصطيادها، فحفرت حفرا بالساحل وشقت إليها جداول من البحر فإذا مد البحر رمى بمائه وحيتانه في تلك الحفر فتبقى فيها الحيتان مع الجزر غير قادرة على العود إلى البحر فإذا كان يوم الأحد أخذوها من تلك الحفر فأكلوها وباعوها في الأسواق.

ومنهم من كان يغرز خشبة بالساحل يشد إليها حيتانا يربطها بخيوط يوم السبت ثم يرسلها في البحر ويعود إليها يوم الأحد فيأخذها، وعندما رأوا إمهال الله إياهم اجترأوا فأخذوا يصيدون يوم السبت جهرة ويبيعون في الأسواق، فانقسم غير هذه الطائفة من بني إسرائيل إلى طائفتين، طائفة جاهرت بالإنكار، وأخرى ساكتة عاذلة للمنكرين بدعوى أن الطائفة المنتهكة حقت عليها كلمة العذاب، فلا تجدي فيها الموعظة، وذلك ما حكماه الله في قوله: ( وإذ قالت أمت منهم لم تعظون قوما الله مُهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ) .(6)

وهذا التحايل نظير تحايلهم على شحوم الإبل والبقر التي حرمها الله عليهم فأخذوها وجمدوها وباعوها وأكلوا أثمانها، وقد لعنهم الله على ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكفى بهذا شاهدا على عظم جرم المتحايلين على الله باستحلال ما حرم أو أسقاط ما أوجب كالذين يتحايلون على الربا بمختلف الذرائع، أو يتحايلون على إسقاط الزكاة بتمليك الغير ونحوه، أولا يدري أولئك أنهم يخادعون الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء: ( وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون )7، وما أحمق وأضل من سولت له نفسه مثل هذا الخداع غير مكترث بما يترتب عليه من شر المآل في الدنيا

١٬١١٩ / ١٬٢٢٠