( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين* فجعلناها نكالا بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ) 65, 66
الجزء ٣ · صفحة ٣٦٢والآخرة، ولعمري إن من يجتزئ على حرمات الله بإتباع هذه المسالك الملتوية لا تقف به قدمه حتى يأتي الحرام الصريح جهرا، كما انتهى الأمر ببني إسرائيل الذي تحايلوا على الصيد في السبت ثم لم يلبثوا حتى صادوا علنا وباعوا في الأسواق.
والأصل في الاعتقاد تجاوز حد السير مأخوذ من العدو وتعورف على إطلاقه في مجاوزة الحدود التي سنها الشرع أو العرف، ولذا أطلق على العسف والظلم وعدم المبالاة بحقوق الغير لما في ذلك من الانطلاق من القيود الدينية والاجتماعية، وهو شرعا مخالفة أمر الله ونواهيه بترك ما أوجب أو ارتكاب ما حرم لأنها بمثابة الحدود لما يؤتي وما يترك.
والسبت هو اليوم المعروف، وأصله القطع، سُمي بذلك لأن الله سبت فيه خلق كل شيء إذ فرغ من خلق السماوات والأرض يوم الجمعة – على ما قيل – واشتق منه سبت اليهودي إذا عظم يوم السبت، وقيل تسمية اليوم به مأخوذة من سبت بمعنى عظم، وعُضد هذا القول بأن العرب كانت تسمى أيام الأسبوع بغير هذه الأسماء المعهودة وإنما نشأت هذه الأسماء بعدما شاعت المصطلحات الدينية عندهم، ويحتمل أن يكون في الآية اسما لليوم أو مصدرا، وعلى الأول فاعتداؤهم في حكم السبت، وعلى الثاني في نفس السبت – وهو التعظيم – لعدم وفائهم به.
وأُجمل الاعتداء هنا، وفُصِّل في الأعراف كما سبق، وأجملت عقوبته هناك بقوله: ( فأخذنا الذين ظلموا بعذابٍ بئيس ) (8)فصلت هنا بقوله: ( فقلنا لهم كونوا قردةً خاسئين ) .
وليس أمره بأن يكونوا قردة أمر تشريع بل أمر تكوين لعدم قدرتهم عليه وإنما هو على حد قوله: ( وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) .(9)
واختلف في تحولهم إلى قردة، هل كلن صوريا بأن تحولت أجسادهم إلى أجساد القردة، أو كان معنويا بأن اتصفوا بصفاتها، والأول هو قول الجمهور، والثاني قول مجاهد، فقد أخرج عنه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر أنه قال: ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم فمثلوا بالقردة،