( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا ...وما كادوا يفعلون )67, 68, 69, 70, 71
الجزء ٣ · صفحة ٣٧١أنهم قاموا إلى أي بقرة فذبحوها كانوا ممتثلين ويدل عدم التعين في الحكم الأول والثاني أن موسى عليه السلام كان يستعجلهم امتثال الأمر بقوله: ( فافعلوا ما تؤمرون ) رغبة منه في مبادرتهم إلى الطاعة وخوفا من أن يفضي بهم تعنتهم في المسألة إلى الإرهاق في التكليف.
واستدل الفخر للقول بتعينها بأن الضمائر المتكررة في قوله: ( إنها بقرةٌ ) عائد إلى نفس البقرة التي أمروا بذبحها لأنها جاءت ردا على سؤالهم بقوله: ( ما هي ) ، و( ما لونها )؛ وليس في ذلك من دليل لأنهم مأمورون بذبح بقرة في الجملة ومطالبون بأن يسارعوا إلى امتثال هذا الأمر، والأوصاف التي جاءت من بعد ما هي إلا كتخصيص للمعلومات المتعبد بها بعد إمكان امتثالها، وقد صرح الأصوليون بجواز تخصيص العام بعد العمل بعمومه، وهذا يعني أن التعبد أولا كان بالعموم ثم بخصوصه، ولما كانوا متعبدين بذبح بقرة من جنس البقر – ولكل فرد من هذا الجنس أوصاف يتميز بها – وأخذوا يسألون عن أوصافها ويبالغون في ذلك أعيد الضمير في الجواب الكشاف للأوصاف إلى البقرة التي أمروا بذبحها من غير لزوم بأن تكون البقرة التي خوطبوا بذبحها أولا محددة بهذه الأوصاف.
وتقدم في قوله: ( إنما نحن مستهزئون ) بيان الهزأ، وهو بضم أوله وإسكان الزاي والهمز، وبهذا قرأ حمزة من السبعة وخلف في مختارة من سائر العشرة وإسماعيل والقزاز عن عبدالوارث والمفضل، وتتبع الزاي الهاء في الضم، وبذلك قرأ الجمهور، غير أن حفصا خفف الهمزة بإبدائها واوا، والآخرون أثبتوها.
وهو هنا مصدر بمعنى المفعول أي مهزوءا بنا، وذلك للمبالغة كأنهم اعتبروا أمره لهم بذبح البقرة كجعلهم نفس الهزء لكثرة الاستهزاء بهم حسبما اعتقدوا، وأجيز أن يكون على حذف مضاف أي مكان هزء أو ذوي هزء، وإجابتهم هذه لنبيهم على ما أبلغهم إياه من أمر الله دليل على سوء معتقدهم في أنبيائهم حيث أجازوا عليهم الكذب على الله في مقام التبليغ عنه، وهو اعتقاد لا