جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ... وما الله بغافل عما تعملون )74

الجزء ٣ · صفحة ٣٩٠

كثير من آيات القرآن، وطريقة هذا الاستعمال ما يسمى الاستعارة بالكناية، فإن من شأن الأجسام القاسية كالصلد والحديد أن لا يتخللها الماء ولا الهواء، وكذا القلوب المراد بها العقل والوجدان، فإن الموعظة والتذكير لا يجدان سبيلا، فأشبهت الأجسام الصامتة وقد شاع هذا الاستعمال وصار مجازا مشهورا لا يحتاج إلى قرينة حتى عده بعضهم حقيقة عرفية.

وبعد هذا الوصف الموحى بالتشبيه صرح به قوله: ( فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) لتجلية المفهوم المعنوي في صورة المشاهد الحسي، فإن الناس أدرى بما يحسونه منهم بما يفعمونه، وقد بني هذا التشبيه على ما قبله بالفاء للإشعار بأنه مفرع عنه.

و ( أو ) موضوعة للشك، وهو مستحيل في جانب من يعلم الخفايا كالظاهر، وإنما روعي المخاطبون وما هم به أحرياء من الشك في مدى قسوة أولئك المعنيين، هل هي كقسوة الحجارة – التي اشتهرت بشدة القسوة في أوساط الناس، خصوصا في جزيرة العرب حيث تنزل القرآن، لما فيها من الجبال الغليظة ذات الصخور الصلدة – أو أشد منها كالأجسام المتلاحمة ذراتها الحديد، وقيل: إن ( أو ) للإضراب كما هي في قوله تعالى: ( أو أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون )(3) ، أي بل يزيدون، وعليه فإن قلوب هؤلاء جديرة بتشبيهها بما هو أقسى من الحجارة، وإنما ذكرت الحجارة في التشبيه لمعرفة الناس بها، وكونها عندهم مثلا في الغلظة.

وقيل هي بمعنى الواو نحو قوله تعالى: ( ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) (4) ، أي وكفورا، لأن الكفر لا يكون إلا آثما، وقيل هي للتخيير نحو قوله تعالى: ( أو كسوتهم أو تحرير رقبة ) (5)، ومقتضى هذا التخيير أن السامع مخير بين تشبيه قسوتهم بالحجارة وتشبيهها بما هو أغلظ منها، وقيل: هي للتنويع، فبعض قلوبهم كالحجارة، وبعضها أقسى منها لأن القساة متفاوتون في إظلام عقولهم، وغلظة أحاسيسهم، وتعنتهم على الحق، ومقاومتهم لأهله، وسائر أوصاف الشر، كما أن ذوي العقول النيرة والمشاعر الرقيقة

١٬١٤٨ / ١٬٢٢٠