جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ... وما الله بغافل عما تعملون )74

الجزء ٣ · صفحة ٣٩٤

الأفهام إدراكه، ومثل ذلك إخباره عز وجل بسجود الجمادات له في قوله: ( ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب )(14) .

وإنكار ابن حزم ورود شيء من الأحاديث الصحيحة بما يفيد خلاف قوله مردود بما في صحيح مسلم مرفوعا: ( إني لأعرف حجرا كان يسلم عليّ قيل أن أبعث ).

ونوحه أنه صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه ما مر بحجر ولا مدر إلا سلم عليه.

وحمل الخشية في الآية على أي وجه من الوجوه التي اختارها ضعيف.

أما الأول ففيه خروج عما يقتضيه السياق بغير قرينة، ولبس فيما تعود إليه الضمائر، وما استشهد به له من قوله تعالى: ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله..... ) الآية، ليس شاهدا على ما ذهب إليه، فإن الآية في طائفة خاصة من أهل الكتاب ليسوا من ضمن هؤلاء القساة المعنيين في هذه الآية وإنما هم الذين وصفهم الله بقوله: ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون )(15) ، وقوله: ( الذين آيتناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين )(16) ، ويكفي أن الله وصفهم في آخر الآية التي استشهد بها بقوله: ( خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قيلا )، فأين هذه الصفات من أولئك القساة الذين حرفوا الكم عن موضعه ونسوا حظا مما ذكروا به؟ وحكى الألوسي هذا الوجه قولا لأبي مسلم، ووصفه بأنه أكثف من الحجر، وقرنه بقول آخر لم ينسبه إلى أحد، وهو أن الخشية هنا حقيقة إلا أن إضافتها من إضافة المصدر إلى الفاعل، والمراد بالحجر البَردُ، وبخشيته تعالى إخافته عباده بإنزاله، ووصف هذا القول بأنه أبرد من الثلج.

وأما الثاني فهو ينافي ما أريد به من تأكيد أن قلوبهم أقسى من الحجارة لأنها مشتركة معها في هذا الوصف وهو قبول الأمر التكويني، فإن الإنسان مهما كانت قسوته لا يخرج عن السنن الكونية العامة في ذلك، وليست أنفاسه المتلاحقة

١٬١٥٢ / ١٬٢٢٠