( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ... وما الله بغافل عما تعملون )74
الجزء ٣ · صفحة ٣٩٣كفروا )(7) ، ومعناه وإذ مكر واستدل لتعذر إدراكها بقوله تعالى – حاكيا إنكار الخليل إبراهيم عليه السلام على أبيه عبادة الحجارة - ( لم تعبد ما لا تسمع ولا تبصر )(8) ، ومثله قوله: ( أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون )(9) ، وذهب ابن حزم إلى أن كل ما روي من الأحاديث الدالة على خلاف هذا من الخرافات الموضوعة التي نقلها كل كذاب وضعيف، ولا يصح منا شيء من طريق الإسناد أصلا، واستأنس لقوله هذا بأنه لم يدخل شيئا من هذه الأحاديث من انتدب من الأئمة لتصنيف الصحيح من الحديث أو تستجاز روايته مما يقارب الصحة .(10)
وهذا كله عناء فيما لا جدوى منه، وفرار من الحقيقة إلى الوهم، فإن كتاب الله تعالى يصرح لنا بأوضح عبارة أن الكائنات على اختلافها خاشعة لله، مسبحة بحمده، ساجدة لجلاله، وهذا لا ينافي كون الجمادات لا تسمع ولا تعقل ولا تبصر لأنه من غير المستحيل أن يكون لها إدراك خاص لعظمة الله يختلف عن إدراك أجناس العقلاء، ومن النصوص الواضحة في ذلك قوله تعالى: ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله )(11) ، وقوله: ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا )(12) ، وأخبرنا في آيات كثيرة وفي سور متعددة أن الكائنات بأسرها تسبح بحمده، ومن تلك قوله تعالى: ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم )(13) ، ولا عبرة بقول من زعم أن هذا التسبيح هو مجرد الدلالة على وجود الله وعلى تنزيهه من النقائص، فإن هذه الدلالة آية بينة لكل أحد تتجلى لجميع الأبصار ويقرع صوتها جميع الأسماع إلا من تعامى عنها وتصامم، فلو كانت هي المراد بالتسبيح لم يكن معنى لما في الآية من استدراك وهو قوله: ( ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) فإن واضح وضوح الشمس أنه تسبيح غامض ليس في وسع