( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم...أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون )75, 76, 77
الجزء ٣ · صفحة ٣٩٩حقيقة أمره وآياته الدالة على صدق نبوته ما لا يدع لهم مجالا للشك فيه، ولا عذرا في ترك تصديقه ومناصرته على ما جاء به من الحق، كيف وهم أقرب الناس عهدا بالنبوات والوحي؟ وقد أخذ الله عليهم الميثاق بألسنة أنبيائهم أن يؤمنوا به ويناصروه: ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فألئك هم الفاسقون )(2) ، وهذا العهد وإن كان في ظاهره مأخوذا على النبيين فهو حقيقته، مأخوذا على أممهم لأن الله علم أن أولئك النبيين لن يدركوا عهد نبوته عليه أفضل الصلاة والسلام، وإنما تدركه أعقاب أممهم، فكان هذا الواجب حتما عليهم، وهذا العهد لازما في رقابهم، وما كونه على ألسنة النبيين دونهم إلا إمعان في توكيده، فإن الهدى لم يأتهم إلا من طريقهم، والحق لم يدركوه إلا ببيانهم، فنكثهم لهذا العهد ما هو إلا رد لما جاءهم به أنبياؤهم من الحق والهدى.
وقد ظل صوت البشارة الإلهية بمبعث خاتم النبيين يتردد في أسماع أهل الكتاب من تلاوة الكتاب الذي أوتوه لم يخفته التحريف الذي شوه وجه ذلك الكتاب، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا، متطلعين إلى مبعثه بكل لهفة وشوق، غير أن الحسد بأن كان من ولد إسماعيل ولم يكن من ولد إسرائيل هو الذي حال بينهم وبين إتباعه عندما منّ الله به على الإنسانية.
ونظرا إلى ما كان بأيديهم من الحق الذي أنزله الله على النبيين وقرب عهدهم بالرسالات كان المسلمون يميلون إليهم بأفئدتهم، ويتعاطفون معهم في محنتهم، فلذلك حزن المسلمون عندما ارتد الجيش الرومي النصراني القهقري أمام الزحف الساساني المجوسي، لأن المجوس – وإن قال من قال بأن أصولهم الدينية ترجع إلى وحي سماوي – هم أبعد عهدا بالنبوات وأشد كفرانا من أهل الكتاب – اليهود والنصارى – ولكن المسلمين أصيبوا