جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم...أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون )75, 76, 77

الجزء ٣ · صفحة ٤٠٠

بصدمة مؤلمة عندما وجدوا أهل الكتاب – وخصوصا اليهود – يقفون في وجه دعوة الحق وقفة عداء لا يقل عن عداء المجوس ومشركي العرب ولم يكتفوا بتجاهل ما عندهم من العلم بنبوته صلى الله عليه وسلم وإنكاره، بل أخذوا يؤلبون عليه المشركين، وعندما سألتهم قريش هل نحن أهدى أو محمد وأصحابه؟ قالوا: بل أنتم أهدى منهم. ( ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )(3) ، بعد سرد مناكرهم المتنوعة في قصتهم الطويلة المذكورة من قبل جاءت تسلية المؤمنين في هذه الآية عما كانوا يطمعون فيه من إيمانهم بأسلوب الاستفهام التعجيبي المشوب بالإنكار، أي إذا كانت هذه قصتهم مع النبي الذي أنجاهم الله تعالى به من أشرس عدو، وأراهم على يديه أعجب الآيات، وأسبغ عليهم في ظل دعوته صنوف الآلاء، فكيف تطمعون مع ذلك في إيمانهم؟ وهذا كما تحدث أحدا بمساوئ أحد وبعد استطرادك في تعدادها تخاطب كليمك بقولك أفتطمع مع هذا كله في استقامته وإقلاعه عن غيه.

وذهب الإمام ابن عاشور إلى أن هذه الآية وما بعدها إلى آية ( 82 ) اعتراض استطرادي بين القصة الماضية والقصة التي أولها: ( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله )(4) فجميع الجمل في هذه الآيات داخلة في هذا الاستطراد .(5)

والصحيح ما قدمته لأن تخلل هذه الجمل الكثيرة ذات المعاني المختلفة بين قصتين متناسقتين مع انسجام الكلام وأخذ بعضه بحجزة بعض كما هو شأن بليغ البيان فضلا عن القرآن الذي يسمو فوق كل كلام بسلاسة أسلوبه، وترابط حروفه وكلماته، فضلا عن جمله وآياته.

ومن حيث إن عدم إيمان أهل الكتاب بما يدعوهم إليه النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون لم يكن ناشئيا إلا عن هوى نفوسهم، وعناد مردوا عليه حتى أصبح كالأمر الجبلي فيهم، وإلا فالدعوة واضحة، والحجة ساطعة، ذهب الإمام محمد عبده إلى أن الحديث لم يزل في معرض بيان هداية الكتاب وانقسام الناس تجاهه إلى الأقسام الثلاثة المذكورة من قبل

١٬١٥٨ / ١٬٢٢٠