جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم...أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون )75, 76, 77

الجزء ٣ · صفحة ٤٠٨

تدرون أن معظم هذه الروايات منقطعة الأسانيد، فلا تقوم بها حجة في تعيين ذات السبب على أن كثيرا من الصحابة أنفسهم يقولون بأن آية كذا نزلت في حادثة كذا، وهم لا يعنون بذلك إلا صدقها على حكم تلك الحادثة، وقد يكون الصحابي لا علم له بنزول آية ما حتى تعرض قضية فيسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوها إبان ذلك، فيظن أنها نزلت من أجل تلك القضية، وقد سبق بيان ذلك في مقدمة التفسير والحمد لله.

والحجة الدليل الواضح مأخوذة من محجة الطريق، لأن كلا منهما موصل إلى القصد، وإنما يفرق بينهما أن الوضوح والإيصال في الحجة معنوي، وفي المحجة حسي، والمفاعلة المصوغة منا ليست هنا على بابها من المشاركة، وإنما هي للمبالغة، كما في خادع بمعنى خدع، وقد سبق بيان ذلك.

وقوله: ( أفلا تعقلون ) إستفهام إنكاري مراد به التحديث بما فتح الله عليهم، فهو في مقولتهم المحكية، وإن قال بعض أهل التفسير بأنه من مقول الله تعالى الموجه إلى المؤمنين إنكارا لطمعهم في إيمان أولئك، وهو غير سائغ لأنه لم يؤلف في خطاب الله سبحانه لعباده المؤمنين إلا لطف العبارة، ورقة الأسلوب، ولو في مقام العتاب، فلا يتفق فذلك مع تقريعهم بمثل هذا الخطاب العنيف الموحى بأنهم نزلوا منزلة غير العقلاء. كيف ومن بين المخاطبين – لو صح أن الخطاب لهم – سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي بلغ ذروة الكمال العقلي والسمو النفسي؟ على أن المؤمنين لم يدفعهم إلى هذا الطمع في إيمان أهل الكتاب، غير ما هم مجبلون عليه من حب هداية البشر مع ما يعرفونه عن أهل الكتاب من مزايا إختصوا بها كعلم النبوات وتوفر البشائر عندهم بمبعث خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والتسليم .

وقوله: ( أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ) إنكار لما ذكر عنهم من التلون في حال ملاقاة المؤمنين وخلوهم إلى أخوانهم من الكافرين بحيث يلقون هؤلاء بوجه وأولئك بآخر فإن هذا التصرف من شأنه أن لا

١٬١٦٦ / ١٬٢٢٠