( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ..وويل لهم مما يكسبون )78, 79
الجزء ٣ · صفحة ٤١٣والتفعيل يفيد التكلف، فكأن التمني يتكلف تقدير حصول أمر متعذر أو متعسر، والمراد بالأماني ما ذكرته في صدر تفسير الآية وهو ما يتعلقون به من الأوهام التي تثبطهم عن الأعمال الصالحة، وتجرئهم على انتهاك الحرمات، وليس ذلك من الكتاب – أي التوراة المنزلة – في شيء ، فلاستثناء منقطع، وهو ما يقتضيه تفسير ابن عباس رضي الله عنهما في رواية ابن جرير عنه ( لا يعرفون الكتاب الذي أنزله الله )، وفي لفظ آخر ( لا يردون بما فيه ).
وروى ابن جرير عن قتادة أنه قال: ( لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه، وقال: إنما هم أمثال البهائم لا يعلمون شيئا؛ وروى عن ابن زيد أنه قال: تمنوا فقالوا نحن من أهل الكتاب، وليسوا منهم.
وأخرج عن أبي العالية أنه قال: يتمنون على الله ما ليس لهم.
وتطلق الأماني على الأكاذيب، لأن الكتاب يتكلف تقدير ما يخطر بباله من الخيالات النفسية حتى يخرجها للسامعين في صورة حقائق واقعية، ومن شواهد ذلك ما روي عن بعض الصحبة رضي الله عنهم أنه قال: ما تمنيت منذ أسلمت، أي ما كذبت، وقول بعض العرب لابن دأب – وهو يحدث – أهذا شيء رويته أم شيء تمنيته، وبه فسر ابن عباس ومجاهد الأماني هنا، وجنح إليه ابن جرير، وهو مع التحقيق موافق للقول الأول وليس الخلف بينهما إلا لفظيا فإن ما سبق ذكره من أمانيهم الخادعة ما هو إلا إفك اصطنعته ألسنتهم من غير أن يفقهوا لها معنى، أو تترك في نفوسهم أثر، واستشهدوا لذلك بقول الشاعر:
وبقول الآخر: