( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ..وويل لهم مما يكسبون )78, 79
الجزء ٣ · صفحة ٤١٤كما استشهدوا بقوله تعالى: ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته)(6) ، وفي الاستشهاد بالآية نظر لأنه مبني على اسطورة الغرانيق الداحضة، وسيأتي إن شاء الله بيان ما فيها عندما نصل بعون الله وتوفيقه في التفسير إلى سورة الحج.
ومهما يكن المراد بالأماني فإن الآية الكريمة تنادي بالضلال والخسران على الذين يسعون وراء الأوهام متنكبين عن الصراط السوي المؤدي إلى الحقيقة الواضحة، وهم الذين رضوا بالجهل بديلا عن العلم، ويالتقاليد الموروثه، والزور المتداول بدلا عن الحق الذي أنزله الله وأقام عليهم حجته، ورفع لهم مناره، وما أكثر هؤلاء في كل أمة، آذانهم خشية أن تنجذب نفوسهم إلى صوته، وإذا لاح لهم نور الحق غمضوا أعينهم وولوا معرضين لئلا يكتشفوا شيئا من عوارهم، فمثلهم كمثل الخفافيش تأنس بالظلمة، وتستوحش من الضياء.
وفي قوله تعالى: ( وإن هم إلا يظنون ) تأكيد لما وصفهم به من عدم العلم فإن العقائد تبنى على القواطع لا على الظنون، فكثيرا ما يكون الظن ناشئا عن هوى متبع أو حب أو بغض، فيكون أقرب إلى الكذب منه إلى الصدق، ولذلك حذر الله تعالى من إتباع الظن بقوله: ( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم )(7) .
وفسر مجاهد الظن هنا بالكذب، كما في رواية ابن جرير عنه، وأخرج ابن جرير عن قتادة وأبي العالية والربيع أنهم قالوا: ( يظنون الظنون بغير الحق ).
والفاء في قوله: ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ) للترتيب، والمرتب عليه قوله عز وجل: ( وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله............ ) الآية، وحسن مجيئها هنا أن ضلال الأميين المذكور قبل هذه الآية ناشئ عن التحريف المذكور ( ثم ).
وويل من المصادر التي لا فعل لها كويح، وويب، وويس، وويه، وعول، وويك، ومعانيها متقاربة لإفادة كل منها الزجر، وإنما فرق بينهما بفروق دقيقة، منا أن ويلا وعيد لمن وقع في الهلكة،