جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ..وويل لهم مما يكسبون )78, 79

الجزء ٣ · صفحة ٤١٧

الكاتب فتقييدها هنا بأنها كانت بأيديهم مع إسنادها إليهم إما للإفادة بأن ما كتبوه ليس من عند الله وإنما هو اختلاف من عند أنفسهم، وأما لنفي ما يتوهم من المجاز في الإسناد، وأنهم لم يباشروا الكتابة بأنفسهم وإنما أمروا بها غيرهم، وفي هذا تنبيه على أن من باشر المعصية بنفسه أعظم إثما، وأشد عقوبة ممن أمر بها غيره.

والثمن القليل كل ما يعطونه من أصحاب الأهواء في مقابل تحريفهم الكتاب ولو كان الدنيا بأسرها فإنها لا تساوي شيئا مما يفوتهم من ثواب الله الذي أعده لعباده المحسنين الحافظين لما أنزل من الحق والعاملين به.

ويحتمل أن يكون المراد بالثمن المناصب التي يرقون إليها في الدنيا بسبب إعراضهم للعامة بإباحة ما حرم الله عليهم.

وأعيد توعدهم بالويل على ما كتبت أيديهم لبيان مضاعفة عقوبتهم، فإن معصيتهم ترتبت عليها معاصي الذين اغتروا بما كتبوه لهم، ( ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة )، ثم أعيد مرة أخرى توعدهم بالويل على ما يكسبون، من المال الحرام الذي توصلوا إليه بتحريف الكلم عن موضعه.

وهذا الوعيد يشمل أخبار هذه الأمة الذين ينهجون نهجهم في تحليل ما حرم الله تقربا إلى الناس، وحرصا على الدنيا، ويهونون على الناس وعيد الله تعالى بالتأويلات الفاسدة التي لا أصل لها إلا الأماني الخادعة التي جرأت الناس على انتهاك حرم الله وتضييع فرائضه وتعدي حدوده، وقد أجاد الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده حيث اختتم تفسير هذه الآية بقوله: ( من شاء أن يرى نسخة مما كان عليه أولئك اليهود فلينظر فيما بين يديه فإنه يراها واضحة جلية، يرى كتبا ألقيت في عقائد الدين وأحكامه، وحرفوا فيها مقاصده، وحولوها إلى ما يغر الناس ويمنيهم ويفسد عليهم دينهم، ويقولون هي من عند الله وما هي من عند الله، وإنما هي صادة عن النظر في كتاب الله ، والاهتداء به، ولا يعمل بهذا إلا أحد رجلين، رجل مارق من الدين يتعمد الدين يتعمد إفساده، ويتوخى إضلال أهله، فيلبس لباس الدين ويظهر بمظهر أهل الصلاح، يخادع بذلك الناس ليقبلوا ما يكتب ويقول، ورجل يتحرى التأويل ويستنبط الحيل ليسهل على الناس مخالفة الشريعة ابتغاء المال والجاه ).

قال صاحب المنار: ( ثم ذكر الأستاذ وقائع طابق فيها بين ما كان عليه اليهود من قبل وما عليه المسلمون الآن، ذكر وقائع للقضاة والمأذونين وللعلماء الواعظين فسقوا فيها عن أمر ربهم، فمنهم من يتأول ويغير بأنه يقصد نفع أمته، كما كان أحبار اليهود يفتون بأكل الربا أضعافا مضاعفة ليستغنى شعب إسرائيل، ومنهم من يفعل ما يفعل عامدا عالما أنه مبطل، ولكن تغره أماني الشفاعات والمكفرات ) .(9)

-----------------------------------------------

1 - سورة البقرة آية رقم 78- 79.

2 - جامع البيان ج1، ص374 - ط دار الفكر.

3 - سورة العنكبوت آية رقم 48.

4 - لجامع الأحكام القرآن ج2، ص 5- دار إحياء التراث العربي.

5 - المرجع السابق.

6 - سورة الحج آية رقم 52.

7 - سورة الحجرات آية رقم 12.

8 - تفسير القرآن العظيم ج1، ص 117- دار إحياء الكتب العربية.

9 - المنار ج1، ص 361 - الطبعة الرابعة.

١٬١٧٥ / ١٬٢٢٠