جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

آراء العلماء في المُحكم والمتشابه

الجزء ٤ · صفحة ١٧

لرسوخه روح التقوى في نفس ممارسها إذ هي ظابطة لشهوة النفس ومقيدة لأهوائها ومطلقة لملكات الخير فيها ، أما المتشابه فهو ما لم تظهر حكمته كاختلافغ الصلوات في عدد ركعاتها ومواقيتها وميقات الصيام والحج ونُصُب الزكاة .

وحكى الفخر الرازي عن الأصم أن المُحكم هو الذي يكون دليله واضحاً لائحًا ، مثل ما أخبر الله تعالى من إنشاء الخلق في قوله تعالى : ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾المؤمنون14 ، وقوله :﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾الأنبياء30 ، وقوله : ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾البقرة22 ، والمتشابه ما يحتاج معرفته إلى التدبر والتأمل نحو الحكم بأنه تعالى يبعثهم بعد أن صاروا أتراباً ، ولو تأملوا لصار المُتشابه عندهم مُحكما ؛ لأن من قدر على الإنشاء أولا قدر على الإعادة ثانية .

وقال الفخر على إثره :" واعلم أن كلام الأصم غير ملخص ، فإنه إن عنى بقوله المُحكم ما يكون دلائله واضحة ، أن المُحكم هو الذي يكون دلالة لفظه على معناه متعينة راجحة ، والمتشابه ما لا يكون كذلك ، وهو إما المُجمل بالتساوي أو الُمؤول المرجوح ، فهذا الذي ذكرناه أولاً ، وإن عنى به أن المُحكم هو الذي يعرف صحة معناه من غير دليل ، فيصير المحكم على قوله تما لا يلم صحته بضرورة العقل ، والمتشابه ما يُلم صحته بدليل النقل ، وعلى هذا يصير جملة القرآن متشابها لأن قوله : ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾المؤمنون14 ، أمر يحتاج إلى معرفة صحته إلى الدلائل العقلية ، وأن أهل الطبيعة يقولون السبب في ذلك الطبائع والفصول أو تأثيرات الكواكب وتركيبات عناصرها وامتزاجها ، فكما إن إثبات الحشر والنشر مُفتقر إلى الدليل ، ولعلم الأصم يقول هذه الأشياء ، وإن كانت كلها مفتقرة إلى الدليل إلا أنها تنقسم إلى ما يكون الدليل فيها ظاهراً بحيث تكون مٌقدماته قليلة مُرتبة مبني

١٬١٩١ / ١٬٢٢٠