جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الحكمة في انقسام آيات الكتاب إلى محكم ومتشابه

الجزء ٤ · صفحة ٢٩

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾فصلت53، وبهذا تحول كثير مما كان يُعد من متشابه القرآن إلى غير متشابه بما اتضح من معانيه التي كانت غامضة قرونًا وقرونًا نحو قوله تعالى : ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ﴾الحج61 ، فإن معنى الآية الكريمة ظل بعيدًا عن مدارك الأفهام ؛إذ لم يكن الناس يتصورون كروية الأرض ، وأن الليل والنهار يتلاحقان بدورانهما المطرد على الكرة الأرضية ، حيث إن كلاً منهما يلج في بطن الآخر ، وإنما كانوا يتصورون أن الليل ينزل دفعة واحدة على الأرض كلها فيغشاها ، ويرتفع كذلك عنها دفعة واحدة ليحل محله النهار ؛ ولذلك شاع أن المراد بالآية ما ينقص من النهار ويزيد في الليل في الشتاء ، ونحو ذلك قوله تعالى : ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ﴾الأعراف54،وقوله عز وجل :﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ﴾الزمر5، فإن حقيقة معاني هذه الآيات لم تكتشف إلا بعد اكتشاف أنه لا يرتفع النهار عن الأرض كلها ولا الليل ، وإنما يجلل أحددهما نصف الكرة الأرضية حينما يكون النصف الآخر مجللا بالآخر فيكون كلا منهما فوق غيره ككور العمامة ، وإنما يظهر تشابه مثل هذه الآيات على من لم يطلع على مثل هذه الحقائق كما حُكيَ من جواب بعض أهل العلم عندما سُئل أين يكون النهار عندما يأتي الليل ؟ وأين يكون الليل عندما يأتي النهار ؟ فأجاب : يكونان في غامض علم الله الذي لم يُطلع عليه ملك مُقرَّب ولا نبي مُرسَل . ومثل ذلك قوله تعالى : ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ﴾الذاريات49، إذ لم تكن سنة التزاوج بين جميع الكائنات واضحة للناس إلى أن تم اكتشاف ذلك ، وتشابه هذا كله بسبب غموض معناه .

أما أحكامه الشرعية فقد جاء كثيرٌ منها مُجملاً مع بيانه إما

١٬٢٠٣ / ١٬٢٢٠