الحكمة في انقسام آيات الكتاب إلى محكم ومتشابه
الجزء ٤ · صفحة ٣٢المطاعم والمشارب والمساكن الطيبة والمناكح الحسنة والسرور الدائم ، وهذه أمور يمكن للإنسان أن يتصورها مجملة ،أما مقاديرها وسائر تفصيلاتها فمما لا يتسع له الأفق المعرفي للإنسان وهو لا يزال في هذه الدنيا المحدودة المتناهية ، ولا يستوعبه خياله الناتج عن تفاعله مع طبيعة هذه الحياة الفانية ، ولذلك قال الله تعالى : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾السجدة17 ، وجاء في الحديث :" قال الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " (1)
8- تضمين الكلمات من الحقائق العالية والمعاني السامية ما يجلي قدرا ويعظم شأنا فوق ما هو مألوف للعباد من معاني تلكم الكلمات : وتلكم هي صفات الله تبارك وتعالى ، فإن الله سبحانه وتعالى عرّف العباد بنفسه وأخبرهم بصفاته بكلمات لم تكن غريبة عليهم ؛ إذ هي من اللغات التي يتداولونها في الوصف والبيان ، ولكن شتان بين مضامينها المألوفة عندهم ومضامينها في كلام الله تعالى ، فالله عرَّفهم بنفسه أنه السميع البصير ، العليم الخبير ، الحي القيوم ، الغفور الرحيم ، العزيز الحكيم ، العلي العظيم ، الواحد القهار ، الواسع القدير ، الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، ولكل وصف من هذه الأوصاف معروف عند الناس ولكن أنى تقاس صفات الخالق على المخلوق ؟ والمخلوق محدود في ذاته وصفاته ، والخلق سبحانه منزه عن ذلك ، فصفاته مطلقة لا حدود لها كذاته ، ولهذا كان التباين بينه وبين خلقه في حقيقة الإتصاف بتلكم الأوصاف ، فالمخلوق إن وصف بالعلم فعلمه ليس ذاتيا ، ولذلك يتدرج في تحصيله إن كان كسبيا ، ويأخذ في النمو والزيادة باجتهاده مع توفيق الله له ، ولئن كان ضرورياً فإنه أيضًا حادث كحدوث الكسبي ، وإنما الأصل فيه الجهل كما يُنبئ به قوله تعالى : {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً