الحكمة في انقسام آيات الكتاب إلى محكم ومتشابه
الجزء ٤ · صفحة ٣٣}النحل78،ومهما يكن مقدار علمه فإنه لا يعدو أن يكون قطرة في خضم جهله ، وقد يتحول من العلم إلى الجهل لنسيان أو ضعف كما هو بيِّن في قوله تعالى : ﴿ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾النحل70 ، ومثل ذلك يقال في قدرته وسائر صفاته .
هذا ، ومن بين هذه الصفات ما يستحيل أن يكون وصف الله تعالى به على نحو ما هو معهود في خلقه كالرحمة ، فإن رحمة المخلوق بالمخلوق هي انفعال نفسي يبعث على اللطف والإحسان ، والله يجب تنزيهه عن ذلك لأنه : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾الشورى11، وهذا مما يدخل في المتشابه ، وكذلك وصفه تعالى بالصبر والشكر فهو بعيد عن نحو ما هو مألوف في الإصطلاح البشري ، لأن صبر المخلوق هو توطين النفس على إحتمال ما يشق عليها ، والشكر هو إعتراف المُنعَم عليه بنعمة المُنعِم والقيام بما يجب عليه تجاهه ، وكل من ذلك مستحيل على الله عز وجل ، فإنه منزه عن كونه مشقوقا عليه أو أن تكون لأحد نعمة عليه ، فإنه وحده باسط النعم وكل من عداه فهو منعم عليه ، لذلك كان وصفه سبحانه بمثل هذا ما يدخل في باب التشابه ويجب رده إلى المحكم كقوله تعالى : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾الشورى 11 ، وقوله : ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾الإخلاص4 ، وهذا هو الأصل في فهم جميع معاني صفاته تعالى ، إذ يجب نفي التصور عند وصفه سبحانه بالسمع إن يكون سمعه كسمع مخلوقاته في الإضطرار إلى آلات السمع وإنتقال الأصوات إليها عبر الذبذبات الصوتية ، وكذلك نفي مثل هذا التصور عندما يوصف بالصبر ، فإن إبصاره إنعكاسا لصور الأجسام عبر الذبذبات الضوئية في العين الباصرة ، وما يتبع ذلك من إنتقال هذه الصور إلى مركز الحس - الدماغ – بواسطة الأسلاك المخصصة لذلك ، فإن الله منزه عن ذلك كله ، وهو منزه عن الأبعاض والكيفية وكل ما هو معهود في خلقه ، وإنما يجب القطع بأن إتصافه سبحانه بإي معنى