جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( الرحمن الرحيم)

الجزء ١ · صفحة ٢٣٨

على التعنت بالكفر.

واختلف في الفرق بين "الرحمن" و "الرحيم" فالجمهور على أن "الرحمن" أبلغ من "الرحيم" وهو مبني على أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى وأورد الزمخشري من هذا الباب نكتة لطيفة وذلك أنه ذكر أنه كان في طريقه إلى الحجاز فوجد محملا أكبر بقليل عن محامل تستعمل في العراق يسمى الواحد منها "الشقدف" فسأل أعرابيا عن اسم المحمل الذي رآه فقال له أليس ذلك يدعى الشقدف؟ قال له: بلى..قال: فهذا الشقداف، واستظهر منه الزمخشري أن طول الاسم لكبر المسمى وهذه القاعدة غير مطرده فإن حذرا أبلغ من حاذر وحروفه أقل وبناء على ما يقوله الجمهور قيل إن "الرحمن" هو المنعم بجلائل النعم و"الرحيم" هو المنعم بدقائقها وقيل أن "الرحمن" هو المنعم بنعم شاملة تعم المؤمن والكافر والبر والفاجر و"الرحيم" هو المنعم على المؤمنين خاصة ومتعلق هذا القول قوله تعالى(وكان بالمؤمنين رحيما) وانتقد الأستاذ الشيخ محمد عبده هذين القولين وقال: "كل هذا تحكم في اللغة مبني على أن زيادة المبني تدل على زيادة المعنى ولكن الزيادة تدل على زيادة الوصف مطلقا فصفة "الرحمن" تدل على كثرة الإحسان الذي يعطيه سواء كان جليلا أو دقيقا وأما كون أفراد الإحسان التي يدل عليه اللفظ الأكثر حروفا أعظم من أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأقل حروفا فهو غير معنى ولا مراد وقد قارب من قال: إن "الرحمن" المحسن بالإحسان العام ولكنه أخطأ في تخصيص مدلول "الرحيم" بالمؤمنين.

وقيل "الرحمن" رحمن الدنيا والآخرة "والرحيم" رحيم الآخرة، وهو كسابقيه لا يستند إلى دليل ولعل عدم ظهور الحجة في التفرقة التي زعموها كان هو السبب في قول جماعة من المفسرين كالمحلي والصبان: إن الاسمين الكريمين بمعنى وإنما جيء بالثاني تأكيدا للأول وانتقد الإمام محمد عبده هذا الرأي قائلا: "ومن العجيب أن يصدر مثل هذا القول عن عالم مسلم وما هي إلا غفلة نسأل الله أن يسامح صاحبها" ثم

٢٢٠ / ١٬٢٢٠