جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

(اهدنا الصراط المستقيم)

الجزء ١ · صفحة ٣٠٣

أما الإنسان فلم تكن له هذه الخاصية ولم يتوفر له هذا الإلهام ومع ذلك فهو يتميز عنها بما منحه من شرف الخلافة في الأرض والسيادة فيها وقد وهبه الله في مقابل ذلك هداية العقل التي هي أقوى من هداية الحس والمشاعر، فإن العقل هو الذي يصحح أخطاء الحواس والمشاعر ويكشف عن أسباب هذه الأخطاء فعندما يرى البصر الكبير صغيرا على البعد ويرى العود المستقيم معوجا في الماء ويذوق الصفراوي الحلو فيحس منه المرارة ويحكم العقل في ذلك فيفند هذه الأخطاء ويبين أسبابها وحمل بعضهم على هذه الهداية قول الله سبحانه(وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) ( البلد/10) .

الرابع: هداية الدين فإن العقل وحده لا يستطيع أن يقوم سلوك الإنسان المعوج ويهدي فكره المنحرف فإن أخطأ يتسلط عليه كما يتسلط على الحس وقد يتأثر عقل الإنسان بالجو الذي يعيش فيه والمحيط الذي يتربى وسطه فيستحسن ما يستقبحه غيره ويستقبح ما يستحسنه سواه، وقد تستعلي عواطفه أو رغباته على العقل فتطمس نوره وتوهن قواه ولذلك ينساق كثير من الناس- مع ما أوتوه من قوة التفكير- وراء شهواتهم وعواطفهم غير مبالين بالمصير الذي تؤديهم إليه بل يسخرون أحيانا طاقاتهم العقلية والحسية للوصول إلى ما يهدفون إليه من مقاصد دنئية بدلا من استخدام العقل فيما يؤولا إلى سعادة الإنسان الشخصية والنوعية ولا تقف رغبات الإنسان عند حد معين ولذلك كثيرا ما تقتضي به إلى التطاول إلى ما في يد غيره وعدم المبالاة بإمتهان كرامة بني جنسه فيؤدي الأمر إلى التنازع والتدافع والتقاتل والتفاني ولا تغني تلك الهدايات شيئا وهذا أمر مشاهد حتى في الشعوب والأمم التي تعد نفسها أرقى من غيرها حضارة ولا أدل على ذلك مما يحصل أحيانا في سلسلة الحروب الدولية، من إبادة شعوب أو استرقاقها وإهلاك الحرث والنسل بالوسائل العلمية التي تستخدمها

٢٨٤ / ١٬٢٢٠