(اهدنا الصراط المستقيم)
الجزء ١ · صفحة ٣٠٤عقول ضلت سبيل الرشد وأخفقت في بناء مجتمع بشري ينعم بالسعادة والهناء والإستقرار ومن ثم كان الإنسان بحاجة إلى هداية أسمى من الهدايات السابقة الذكر تملأ القلب خشية من سلطة غيبية أعلى وأجل من تصورات البشر ومدارك العقول والأفكار وتضع حدودا للأعمال ورسوما لكل ما تتطلبه حياة الإنسان فلا يعدو أحد على غيره كما تصل الإنسان بالغيب الذي يتطلع إليه وما هو يبالغه إلا من طريق هذه الهداية.
هذا وقد أودع في غريزة كل إنسان الشعور بهذه القوة الغيبية التي لا يحاط بها علما والتي تهيمن على الوجود كله وإليها يرد الإنسان بفطرته كل مالا يعرف له سببا لأنها هي التي تهب كل موجود ما يكون به قوام وجوده كما أودع في غريزة كل أحد بأن هذه الحياة الدنيا ليست هي الحياة النهائية التي يحياها الإنسان ولذلك يتطلع كل أحد إلى حياة أوسع منها.
والهدايات الثلاث السابقة لا تصل إلى تحديد ما يجب على الإنسان لذي القوة الغيبية الذي خلقه في أحسن تقويم وسخر له ما يحتاج إليه كما لا تصل إلى تحديد ما تكون به السعادة في الحياة الأخرى ومن هنا كانت ضرورته إلى الدين وإفتقاره إلى توجيهه والهدايات الثلاث السابقة مشتركة بين البر والفاجر ويرى بعض المفسرين أنها يشار إليها جميعا بقوله تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) ( البلد/10) وبعضهم يرى دخول الهداية الرابعة ضمن هذه الإشارة وهذه الهداية الرابعة- أعني هداية الدين- قد يشارك فيها الفاجر إذا فسرت بالبيان دونما إذا فسرت بالتوفيق كما أسلفنا من قبل وهداية التوفيق تنقسم إلى ثلاثة مراتب:-
المرتبة الأولى: التوفيق لقبول الحق والعمل به وإليها الإشارة بنحو قوله عز وجل: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا