( يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) (9)
الجزء ٢ · صفحة ٢٣١فلا عجب إن كانوا مخدوعين بظواهر أعمال المنافقين؛ لأن من شأنهم إحسان الظن وغض الطرف عن الهفوات، مع توقد فطنهم ونفاذ بصائرهم، غير أنه لا يحمد بحال أن يكون شأنهم شأن المنافقين في إظهار غير ما يبطنون وإعلان خلاف ما يسرون.
وإذا كان صدور الخدع من المؤمنين ممتنعا فأحرى أن يمتنع عالم الغيب والشهادة الذي هو على كل شيء قدير.
ومن الظاهر بداهة أن الخداع لا يكون إلا لضعف الخادع وقوة المخدوع وإذا كان هذا في البشر فكيف يمكن صدور مثله ممن لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وأجيب عن الأول بوجوه:
أولها: أن الخداع قد يصدر من أحد لغيره فيصادف غير مقصوده، كمن يخدع عامل الحاكم أو وكيله فينبه بأن صنيعه هذا يتجه إلى الحاكم، هكذا شأن المنافقين، فهم بخداعهم المؤمنين الذين صنعوا على عين الله وأحيطوا بكلاءته وشملوا برعايته، فنبه أولئك المنافقون المخادعون بأن خداعهم للمؤمنين هو في حقيقته خداع الله سبحانه، إذ هو الكفيل بنصر عباده ودفع المكاره والأذى عنهم.
ثانيها: أن صورة صنيعهم مع الله سبحانه صورة صنيع المخادع، فهم يظهرون الإيمان ويبطنون خلافه، ويدعون الانخراط في سلك المؤمنين وهم أكثر ما يكونون بعدا عنهم وكيدا لهم، على أنه لا يبعد أن يكون هذا التعبير بالنظر إلى معتقداتهم الفاسدة ونواياهم السيئة في حق الله تعالى، فإن كثيرا منهم كانوا من اليهود، واليهود لا يتورعون عن مثل هذا الاعتقاد، كيف وهم الذين حكى الله عنهم قولهم: ( إن الله فقير ونحن أغنياء) (1)، وقولهم: ( يد الله مغلولة) (2).
وما بأيديهم من نسخ التوراة المحرفة شاهد على أنهم أضل الناس اعتقادا في الله، وأبعدهم عن أن يقدروه حق قدره، تعالى الله عما يقولون وعما يعتقدون علوا كبيرا، ومن كانت هذه عقيدته فليس ببعيد أن يعتقد أنه يخدع الله سبحانه فضلا عن اعتقاده مخادعة المؤمنين.
ثالثها: أن المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم