جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

أساليب المنافقين في الخطاب

الجزء ٢ · صفحة ٢٩٧

بكيفية لا يعلم الناس سرها، من غير مشاهدة من تسند إليه على الحقيقة غيره، وذلك أن النفاق إذا دخل القلوب كان من آثاره عدم انقطاعه عنها، ولما كان من شأنه أن تنمى عنه الرذائل المتنوعة، كان تكونه في نفوسهم ناشئا عن شتى الأسباب في طباعهم، متسلسلا بحسب ارتباط المسببات بأسبابها، وهي أسباب شتى، وقد حرمهم الله توفيقه الذي يباعدهم عن تلك الجبلة بمحاربة نفوسهم، فكان هذا الحرمان مقتضيا استمرار طغيانهم وتزايده بالرسوخ، ومن حيث إن الله سبحانه هو الذي خلق النظم التي هي أسباب ازدياده أسند هذا المد إليه، وهذا الإسناد معدود من الحقيقة العقلية، هذا ما ذهب إليه، وهو في جوهره يتفق مع مذهب المعتزلة وإن اختلف المذهبان من حيث إن المعتزلة يعدون هذا الإسناد من باب المجاز العقلي كما هو واضح من كلام الزمخشري.

وتعريف الطغيان بالإضافة إلى الضمير العائد إليهم، إما للإشعار بأنه حاصل بسبب إخلادهم إلى النفاق من تلقاء أنفسهم من غير أن يجبروا عليه، وإما للإشعار بأنه نوع غريب من الطغيان اختصوا به ولم يشاركهم فيه غيرهم.

وفسر ابن عباس الطغيان هنا بالكفر، أخرجه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي، وأخرج مثله ابن جرير عن ابن مسعود- رضي الله عنه- وروي عنه تفسير مدهم بالإملاء لهم وروي عن أبي العالية وقتادة، والربيع ابن أنس، ومجاهد وأبي مالك وعبد الرحمن بن زيد نحو ما تقدم في تفسير الطغيان.

والعمه فسر بالتردد والتحير، وروى ابن جرير عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه فسر يعمهون بيتمادون، وروى ابن أبي حاتم وابن المنذر وابن جرير عن ابن عباس-رضي الله عنهما- مثله، وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر أنه فسر بيلعبون ويترددون.

وأصله انطماس البصيرة، فهو كالعمى، إلا أن بعضهم قال بأن العمى مختص بالبصر والعمه بالبصيرة، وذهب الزمخشري إلى أن العمى عام، والعمه خاص بالقلب، وهذا أولى لقوله تعالى: ( فإنها

٦٣٣ / ١٬٢٢٠