حواس المنافقين فقدت منافعها
الجزء ٢ · صفحة ٣٢١فإن للمشتقات أحكاما تختلف عن أحكام الجوامد ألا ترى أن قول القائل:
"أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى" معدود في الاستعارة التمثيلية باتفاق البلغاء، مع ذكر الضمير المنصوب العائد إلى ذات المستعار له هذا الوصف ومثله قول القائل: " فلان يوقد النار" والقصد إثارة الفتنة والبغضاء،فإن ذكر اسمه صريحا لا يمنع من عد هذا الأسلوب من باب الاستعارة وقد عدوا قول الشاعر:
من أبلغ أنواع الاستعارة مع نية ضمير الموصوف.
ولا أرى فارقا بين الفعل وسائر المشتقات، وتشبيه الصفات بالصفات لا يتعدى إلى تشبيه الذوات بالذوات، ففي هذه الآية مثلا لم يرد التشبيه بذوات معينة متصفة بالصمم والبكم والعمى، وإنما الملاحظ في التشبيه نفس هذه الأحوال ولو لم توجد في الخارج.
وما تقدم من صفات هؤلاء المنافقين لا يصرف هذه الصورة عن حكم الاستعارة وإفهامها للمراد لا يعدوا أن يكون من باب القرينة المشخصة للمراد من اللفظ، وهو مما يفتقر إليه كل مجاز، على أنهم اتفقوا بأن ذكر المشبه في غير جملة الاستعارة لا يؤثر شيئا على حكمها نحو قول الشاعر:
فقد اتفقوا على أن لفظة شمس في البيت الثاني استعارة، مع أن المراد بها منصوص عليه في البيت الذي قبله، وإذا كان هذا مع التقارب بين الحقيقة والاستعارة فكيف إذا كانت بينهما آيات متعددة وأقرب مما في البيتين قول الآخر: