جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

حواس المنافقين فقدت منافعها

الجزء ٢ · صفحة ٣٢٢

والصمم هو عدم السمع ممن من شأنه أن يسمع، ولفظه دال على السداد فإنهم يسمون السداد صماما لحيلولته دون دخول ما كان خارجه إلى داخله، ومن هذا الباب قولهم " صخرة صماء"، فإن تلاحم ذراتها مانع من وصول الهواء أو غيره إلى داخلها، وبما أن العروق السمعية إذا أصيبت انسدت فلا يصلها الأثير المتموج الناقل للأصوات سميت هذه الإصابة بالصمم.

والبكم هو عدم النطق ممن مِن شأنه أن ينطق وقيل عدم النطق والفهم، وفرق بينه وبين الخرس، بأن البكم ما كان بالطبع، والخرس ما كان بحدوث آفة، وقيل الخرس عدم النطق والبكم عدم النطق والسمع.

والعمى هو عدم البصر ممن مِن شأنه الإبصار ولذلك لا توصف به الأشجار والأحجار فلا يقال شجرة عمياء ولا صخرة عمياء وهكذا فيما ماثلهما.

ومن عرف بما تقدم تعذر عليه الاهتداء واستحالت عليه النجاة، فإن الحواس والنطق وسائل لتسيير الإنسان نفسه وتبصيرها بخيرها وشرها، فإذا ما فقدها وهو في صحراء قاحلة بحيث لا يجد من يأخذ بيده، فإما أن يهلكه السغب والظمأ، وإما أن تفترسه السباع الكاسرة وليس له عن ذلك مناص.

وفصل الآية بقوله " لا يرجعون" دون غيره نحو " لا يهتدون" لأن من اهتدى بعد ضلاله، ورشد بعد غيه هو آئب إلى الفطرة التي نشز عنها.

وقد حمل بعض المفسرين هذا الوصف الشنيع في الآية على طائفة من المنافقين علم الله عدم ارعوائها، وهم الذين قال الله فيهم: ( إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)(1)، وحملها آخرون على جميعهم حال إخلادهم إلى النفاق وعدم تأثرهم بالوعظ.

********

-----------------------

1) سورة التوبة الآية "80"

---

٦٥٨ / ١٬٢٢٠