جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين(19)يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير(20))

الجزء ٢ · صفحة ٣٢٦

وأصله صيوب- بإسكان الياء وكسر الواو- ولكن أبدلت الواو ياء وأدغمت، ونحوه ميت وسيد وهين، وتفسيره بالمطر هو رأي الأكثرين، وعزي إلى ابن مسعود وابن عباس، وآخرين من الصحابة وأبي العالية ومجاهد وسعيد بن جبير، وعطاء والحسن البصري، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، وروي عن الضحاك أنه السحاب واستدل له بقول الشاعر:

وأسحم دان صادق الرعد صيب

وهو في هذا المثل مشبه به القرآن، وروى ذلك ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس- رضي الله عنهما- واستدل له بقوله صلى الله عليه وسلم: " مثل ما بعثني الله به من الهدى كمثل الغيث أصاب أرضا فكانت منها نقية…الخ".

والسماء ما كان أعلى الأرض، وسنتكلم إن شاء الله عنها فيما يأتي، والصيب لا ينزل إلا من جهة السماء، فالإخبار عنه أنه من السماء؛ إما لمزيد الكشف والبيان لأجل التهويل والتعظيم نحو قول امرئ القيس:

كمجلود صخر حطه السيل من علِ

مع العلم أن الحط لا يكون إلا من أعلى، ومنه قوله تعالى: ( فأمطر علينا حجارة من السماء) (2)، وإما الدلالة على غزارة الصيب لانحداره من جميع جهات السماء، بناء على اعتبار كل أفق سماء، وأن التعريف للجنس، وهو قاض بعموم جميع مدلولاته، وهذا هو توجيه الزمخشري، وفيه نظر لأن دلالة التعريف الجنسي على العموم إنما هي في جزئيات الكلي لا في أجزاء الكل، وإما الإشعار بأنه أمر لا يملكون دفعه، وليس ملاكه في أيديهم، وقد اشتهر عند العرب التعبير عما ألم بالناس ولم يكونوا يملكون دفعه بأنه نازل من السماء، وهو توجيه الإمام محمد عبده، وبناه على أن المقصود بالصيب في المثل الإرشادات الإلهية التي تسنح للأفكار عندما ينقدح ضوء الفطرة، وهو أمر وهبي واقع ما له من دافع، ولا يخلوا هذا الوجه من النظر أيضا، فإن المتبادر هنا من كون الصيب من السماء أمر حسي مشاهد؛ وليس حقيقة معنوية معقولة، والأصل أن لا يعدل عن المتبادر إلى غيره

٦٦٢ / ١٬٢٢٠