( أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين(19)يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير(20))
الجزء ٢ · صفحة ٣٢٧وبهذا يتضح أن التوجيه الأول هو الذي ينبغي أن لا يعدل عنه.
والظلمات جمع ظلمة، وقد تقدم معناها، فإن أريد بالصيب المطر- كما هو رأي الجمهور- فالمراد بالظلمات ظلمة تتابع قطره، وظلمة تطبيق غمامه مع ظلمة الليل الساجي، وتكون في هنا بمعنى مع، وإن كان المراد به السحاب- كما هو رأي الضحاك- فالمراد بالظلمات ظلمة سحمته، وظلمة الليل وظلمة غزارة قطره.
والرعد هو الصوت الذي يصدر من السحاب، والبرق هو اللمعان المضيء في الأفق، وغالبا ما يكون في السحاب، وقد هام أكثر المفسرين في تفسيرهما، وكانت أقوالهم تدور بين ما تلقوه من الأكاذيب الإسرائيلية والأوهام الإغريقية؛ فمنهم من قال: إن الرعد ملك يزجر السحاب بصوته، ومنهم من قال: هو ملك يُسبح، والصوت المسموع هو من تسبيحه، وذهب آخرون إلى أنه اسم لصوت الملك، وذهبوا إلى أن البرق مخراق من حديد يسوق به الملك السحاب، ومنهم من قال: إنه سوط من نور إلى ما وراء ذلك من الأقوال العارية عن الدليل، وقد عزاها جماعة من المفسرين إلى جماعة من الصحابة والتابعين، وذكر بعضهم- كابن جرير- أسانيد إلى من رويت عنهم من الصحابة والتابعين، وهي أسانيد كلها معلولة، لم يثبت شيء منها، ولم يعز شيء من ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، اللهم إلا ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس قال: سألت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟ قال: " ملك من الملائكة بيده مخاريق من نار؛ يسوق بها السحاب حيث شاء الله. قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: " زجره بالسحاب إذا زجره، حتى ينتهي إلى حيث أمره". قالت: صدقت. وهو حديث ضعيف اتفق على ضعفه أئمة الحديث، وإن تعجب فعجب لأولئك الذين ينصون على ضعف هذا الحديث، ثم يعولون عليه في تفسير الرعد والبرق في القرآن ويبطلون به سائر الأقوال.
------------------------
1) سورة النور الآيتان "39- 40"
2) سورة الأنفال الآية "32".
---