الأدلة على منشأ الرعد والبرق
الجزء ٢ · صفحة ٣٢٩قائل: لمست بدن فلان، فلا يلزم منه أن يحيط اللمس بجميع بدنه، ومثله يقال في أي عضو، فإن الإخبار عنه بشيء لا يقتضي الإحاطة حتى لا يخرج جزء منه عن مدلول ذلك الخبر، ألا ترون أن الأمة أجمعت على حمل قوله تعالى: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (1)، على القطع من الرسغ مع أن لفظ اليد يصدق على الكف والساعد والعضد إلى المنكب.
وجملة " يجعلون أصابعهم…الخ" قيل: إنها حالية لإيضاح المقصود من الهيئة المشبه بها؛ لأنها كانت مجملة ولا أدري ما هو العامل فيها عند هذا القائل، على أن المعهود في الأحوال أن تأتي للكشف عن المفردات لا الجمل، وقد قالوا إن للجمل حكم النكرات ولا تأتي حال من نكرة إلا إذا تقدمتها نحو " لمية موحشا طلل".
وقيل إنها استئناف بياني لأنه لما ذكر الصيب ورعده وبرقه تبادر سؤال سائل، كيف يفعلون مع ذلك؟ فأجيب بها.
وقد سبق الكلام عن الصواعق وهي مأخوذة من الصعق؛ وهو الصوت الشديد، ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته، كما يقال صعق إذا مات، وقوله " من الصواعق" تعليل لقوله " يجعلون أصابعهم في آذانهم" فهو سادٌّ مسد المفعول لأجله، وقوله: " حذر الموت" تعليل للمعلوم مع علته فلا يرد عليه أنه لا يترادف تعليلان لمعلول واحد، أفاد ذلك ابن هاشم وقطب الأئمة، وذلك أن التعليل الأول بمثابة القيد والمقيد غير المطلق.
والتمثيل يدل على حماقة أصحاب هذه الصورة الممثل بها واستيلاء الحيرة عليهم، فهم عندما انهمر الصيب، وطبق سحابه الأرجاء، وتوالى قصف رعده، ولمعان برقه، كانوا يلجأون إلى سداد آذانهم خشية أن يلج إلى مسامعهم هذا الصوت المزعج فيهلكهم ظانين أن عدم وصوله إلى مسامعهم مظنة لسلامتهم مما يحذرون، مع أن الموت إنما يكون بمفارقة الأرواح الأجساد، فلا يبقى منه اتقاء شيء من الأصوات بسد الآذان دونه، ولكن ذلك شأن الحماقة والجبن إذا استحكما في النفس، ولذلك أردف الله سبحانه بقوله " والله محيط بالكافرين" للتنبيه