( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات...)(25)
الجزء ٢ · صفحة ٣٧٦وقد سبق الكلام في الإيمان وبيان أن ماهيته الشرعية تشمل الأعمال الصالحة التي يقتضيها توحيد الله تعالى، وهو الذي حكى العلامة ابن تميمة- كغيره- إجماع السلف عليه، وروى أبو القاسم اللالكائي عن البخاري أنه اجتمع بنحو ألف من أئمة السلف فلم يكونوا يختلفون في ذلك، ومع هذا فإن جل المفسرين استدلوا بعطف العمل الصالح على الإيمان على تغايرهما، لعدم جواز عطف الشيء على نفسه، وأرى أن الأقرب إلى ما تقتضيه الأدلة القرآنية والحديثية ما أفاده الإمام ابن تيمية، وهو أن الإيمان إذا أطلق فمدلوله العقيدة والعمل معا، وإذا عطف عليه العمل كما في هذه الآية فيحتمل أن يكون من باب عطف الخاص على العام، وأن يكون المراد به العقيدة وحدها، كما أن المسكين والفقير إذا أفرد أحدهما كانا صنفا واحدا، وإذا عطف أحدهما على الآخر كانا صنفين، ومثله يقال في الألفاظ التي تتحد مدلولاتها كالبر والتقوى والمعروف، وكالإثم والعدوان والمنكر وهذا لا ينافي أن يكون مقر الإيمان القلب لأن صلاح الجسد متوقف على صلاح القلب كما في حديث النعمان بن بشير الذي أخرجه البخاري: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله".
والأمر بتبشير المؤمنين يجوز أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن يكون لكل من يصلح للتبشير، وهذا إذا لم يقصد بالخطاب معين، نحو قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: " بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة"، والوجهان جائزان في كل ما كان مثله في القرآن كقوله تعالى: ( نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم)(2)، وقوله: ( واضرب لهم مثلا رجلين) وقوله: ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا) وقوله: ( واضرب لهم مثلا أصحاب القرية).
والأعمال جمع عمل وهو ما يزاوله العامل، واختلف في شموله للترك، وبناء على الشمول يكون اجتناب المعاصي داخلا في الأعمال