الأمثال تزيد المعاني رسوخا
الجزء ٢ · صفحة ٣٩٧الأمثال تزيد المعاني رسوخا:
وضرب الأمثال مما اشتهر عند العرب، سواء فيما صغر أو كبر، ومن ذلك قولهم " أجمع من ذرة" و" أضعف من فراشة"، و" آكل من السوس" و" أسمع من قراد"، واختلف في السبب الذي نزلت من أجله الآية.
روى الواحدي في أسباب النزول عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى لما أنزل قوله: ( إن الذين تدعون من دون الله…الآية )(1)، وقوله: ( مثل الذين يدعون من دون الله أولياء كمثل العنكبوت....الآية )(2)، قال المشركون أي شيء يصنع بهذا فأنزل الله: ( إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ).
وروى ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس وآخرين من الصحابة أن الآية وما بعدها نزلتا ردا على المنافقين الذين استنكروا ضرب المثلين السابقين في السورة، فقالوا: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، وهذا الذي رجحه ابن جرير لأنه أمس بالسورة وأنسب مع السياق.
وروى عبد الرزاق عن قتادة نحو ما رواه الواحدي عن ابن عباس وروى عنه وعن الحسن أنه لما ذكر الذباب والعنكبوت في القرآن ضحك اليهود، وقالوا ما يشبه أن يكون هذا كلام الله، فأنزل الله تعالى الآية ردا عليهم .
واستغرب ابن كثير ما أخرجه عبد الرزاق عن قتادة لأنه يقتضي أن تكون الآية مكية وهي بخلاف ذلك، ويمكن الجمع ما بين هذه الروايات جميعا: فاستنكار المشركين بمكة كان عند سماعهم في سورة العنكبوت ذكرها وذكر الذباب في سورة الحج، على أن الصحيح أن سورة الحج مدنية وإن قيل بمكيتها- وأن اليهود استنكروا ذلك عندما تليت عليهم السورتان بالمدينة بعد نزولهما بزمن، بناء على أن السورتين مكيتان، وأن المنافقين استنكروا ضرب المثلين السابقين في هذه السورة فجاء الرد مبكتا لهذه الطوائف الثلاث في هذا الوضع بعد ذكر جانب مما استنكروه من الأمثال.
ومن المعلوم أن اليهود والمنافقين كانوا يشكلون بالمدينة