الحياء عارض نفسي
الجزء ٢ · صفحة ٤٠١والحياء عارض نفسي يحدث للإنسان لصدور ما يعاب منه أو وقوعه عليه، ويظهر أثره على الوجه، وفعله حَيِيَ أو حيَّ " بالإدغام" والأصل فيه إصابة الحياة، كما يقال حشى إذا أصيب حشاه، ونسى إذا أصيب نساه، وشظى الفرس إذا أصيب شظاه وهذا لأن القوة الحيوانية تتضاءل في الإنسان إذا وقع منه أو عليه ما يستلزم الحياء.
والعوارض مستحيلة على الله سبحانه؛ فلذلك لزم تفسيره هنا بلازمه وهو الترك، فإن من شأن المستحيي أن يترك ما يستحيي منه، وفسره ابن جرير بالخشية، وعزا إلى بعض من سبقوه أن الحياة والخشية يتعاقبان بدليل قوله تعالى: ( وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه )(1)، أي وتستحي الناس والله أحق أن تستحيه وتفسيره بالامتناع أولى.
وذهبت طائفة إلى أنه لا داعي إلى تأويله هنا، نظرا إلى أنه منفي عن الله وليس مثبتا له، ورد بأن المنفي هو استحياء مقيد بضرب البعوضة فما فوقها مثلا، وليس الاستحياء المطلق، على أن هذا التقييد قد يوهم إذا فسر الاستحياء بحقيقة معناه؛ أن الله يستحيي مما عداه، فلذلك دعت الضرورة إلى تأويله، ويؤيده ما جاءت به الأحاديث من وصف الله بالحياء بمعنى الامتناع، ومنه ما أخرجه أحمد، وأبو داود والنسائي بإسناد حسن عن يعليَ بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا"، وأخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه والحاكم من حديث سلمان رضي الله عنه، ومعنى الاستحياء في الحديث الامتناع من تخييب العبد الداعي.
ومما يستغرب أن ممن قال بعدم الداعي إلى تأويل الاستحياء في الآية لكونه منفيا من قال في موضع آخر من تفسيره: إن القاعدة أن ينظر إلى إثبات الفعل لمن أسند إليه هل يحمل على الحقيقة أو المجاز؟ فإن كان إثباته من باب المجاز فكذلك نفيه.
وضرب المثل هو صوغه مأخوذ من