( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا )
الجزء ٢ · صفحة ٤٠٩واختلف في قوله: ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ) هل هو من مقول الله تعالى، أو من مقول الذين كفروا؟
والأول هو الأرجح نظرا إلى قوله من بعد " وما يضل به إلا الفاسقين" إذ ليس من المعقول أن يقول ذلك الكفار، وعليه فهاتان الجملتان مبنيتان على الجملتين المصدرتين بأما، لتفسير ما فيهما على طريقة النشر المعكوس، فإن الذين آمنوا هم المهديون، وقد تقدم ذكرهم هناك، وتأخر هنا، والعكس في الذين كفروا، وقيل: هما جواب للاستفهام في قولهم: " ماذا أراد الله بهذا مثلا" فكأنهم أجيبوا أن الله سبحانه أراد به ازدياد هداية المؤمنين فيغنموا، وضلال الكافرين فيخسروا، وإنما ذكر المراد- وهو الهداية والإضلال- بدلا من الإرادة لأنه الغاية منها، ولم ير ابن عاشور جعله جوابا للإستفهام، لأنه ليس استفهاما حقيقيا بل هو انكاري، ولا جواب لاستفهام الانكار اللهم إلا أن يخرج الكلام على الأسلوب الحكيم بأن يحمل الاستفهام على ظاهره، تنبيها على أن اللائق بهم أن يسألوا عن الحكمة في ذلك فيكون قوله: ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) جوابا عنه.
ووصف الله المهديين وغيرهم بالكثرة- مع أن الصالحين أقل من غيرهم في جميع العصور- وهو الذي تقتضيه المشاهدة، ويدل عليه قوله تعال: ( وقليل من عبادي الشكور )(1)، وقوله: ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم )(2)، لأن كثرتهم معنوية وليست عددية، ولذلك أمر الله بادئ الأمر أن يثبت الواحد منهم للعشرة من أعدائهم، ثم خفف عنهم فأمرهم أن يثبتوا لضعف عددهم أو لأنهم كثيرون في حقيقتهم وإن كانوا قلة بالنسبة لأعدائهم ومن أمثلة الوجه الأول قول الشاعر:
وقول آخر: