جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الإنسان سيد الأكوان وخليفة في الأرض

الجزء ٢ · صفحة ٤٣٢

والقرطبي في تفسيره.

وأصحاب القولين الأخيرين يرون أن الآية الكريمة لم ترد لتشريع حكم، وإنما نزلت للإمتنان وبيان تكريم الله تعالى للإنسان، وأنت تدري أن الإمتنان بما تعود مغبته بالمضرة على الممتن عليه لا يكون من الحكيم تعالى، لأن عقوبة الحرام لا يوازيها الانتفاع به.

واستدل فريق من العلماء بالآية على تحريم أكل الطير لأن الله لم يقل أنه خلق لنا الأرض، بل قال: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض) وهو استدلال في منتهى السفسطة، فإن الخلق ليس هو لأجل الانتفاع بالأكل فقط، وإنما هو لأجل المنافع المتنوعة، فمن المخلوقات ما يكون صالحا للتداوي، ومنها ما يكون صالحا للركوب، ومنها ما يصلح للبناء به، إلى غير ذلك من المنافع المتنوعة التي لا يكاد الإنسان يحصيها، ولو كانت المنافع محصورة في الأكل لما كانت نعمة في اللباس، ولا في الافتراش ولا في غيرهما، وهل يبني الناس مساكنهم، ويغرسون بساتينهم، ويحرثون زروعهم إلا على ظهر الأرض؟ أوليس في ذلك كله نعمة أنعم الله بها على الإنسان؟ وأعظم منه تهيئة الأرض لأن تكون قرارا للناس. والعجب من هؤلاء كيف يتصاممون ويتعامون عن قوله تعالى: ( الذي جعل لكم الأرض فراشا)؟ وقد يكون الشيء نافعا في أمر ضارا في غيره؛ فتحل منفعته وتحرم مضرته، ويكفي من منفعتة الطين كونه مادة البناء غالبا في كل العصور، أما تحريم أكله فهو بدلائل أخرى، وقد رويت فيه أحاديث ومضرته كافية للتحريم.

وجوز الزمخشري أن يكون المراد بالأرض الجهة السفلية كما تطلق السماء على الجهة العلوية، فتدخل الكرة الأرضية نفسها فيما خلق للناس، ووافقه على ذلك جماعة منهم أبو السعود، والألوسي، وقطب الأئمة، وصاحب المنار، واستبعده ابن عاشور من وجهين:

أحدهما: أن الأرض لم تطلق قط على غير الكرة الأرضية إلا مجازا كما قال الشاعر:

٧٦٨ / ١٬٢٢٠