الإنسان سيد الأكوان وخليفة في الأرض
الجزء ٢ · صفحة ٤٣٤الكاتب : سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في 30-04-2003 07:02 AM:
تابع الموضوع السابق
ولم يقف تكريم الله لهذا الإنسان عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى تسخير منافع الكون لأجله، كما يدل عليه قوله تعالى: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه)(1)، وإذا كان كتاب ربنا الذي بأيدي المسلمين ينادي بهذا التكريم، ويعلن هذا الامتنان، فإن المسلمين- وهم أبناء هذا القرآن- أحق الناس بتقبل هذا التكريم، وذلك باستغلال هذه المنافع واستخدامها في طاعة الله مستشعرين نعمة الله عليهم، وهذا لا يتم إلا بوسائل العلم، لذلك كانت دراسة العلوم المؤدية إلى استغلال ثروات الطبيعة فرضا كافيا على المسلمين، لما يترتب عليها من قوام شأن الأمة الإسلامية، واستغنائها عن الآخرين، واستقلالها في أمورها المعاشية، وإنما انحراف الأمة عن طريق القرآن واستهانتهم بهذا الواجب هو الذي أدى بهم إلى التفريط وما تبعه من الذل والهوان، ولو أنهم أخذوا بتعاليم دينهم ومراشد كتابهم لكانوا أسبق الأمم في ميادين العلم والعمل.
ودخول ما ذكرته من منافع الأرض في مدلول الآية حاصل من لفظه " ما" لأنها من أدوات العموم كما تقرر في الأصول.
وأصل الإستواء الاستقامة، وهو مطاوع للتسوية، يقال سواه فاستوى، وأطلق على القصد إلى الشيء بسرعة كأنه يسير إليه من غير أن ينحرف أو يلوي على أمر، وهو إطلاق مجازي، واستواء الله إلى السماء تعلق إرادته التنجيزي بإيجادها وتسويتها، و "إلى" قرينة التجوز.
وقد عرضت هنا مشكلة لعلماء التفسير؛ وهي ما يدل عليه ظاهر هذه الآية وظاهر قوله تعالى في سورة فصلت: ( قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا…) إلى قوله: ( …ثم استوى إلى السماء وهي دخان) (2)، من أن خلق الأرض سابق على خلق السماء، بينما يدل ظاهر قوله في النازعات: ( أأنتم أشد خلقا أم السماء....) إلى قوله: ( ....والأرض بعد ذلك دحاها)(3)، على سبق خلق