جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

آدم ينبئ الملائكة

الجزء ٣ · صفحة ٤٧

آدم ينبئ الملائكة

وقد أمر سبحانه آدم عليه السلام أن ينبئ الملائكة بالأسماء التي لم يفهمومها ولم يأمره أن ينبئه هو كما سبق في أمره إياهم للفارق بين الأمرين فإن أمره سبحانه للملائكة كان امتحانا لهم بخلاف أمره لآدم ، فإنه أمر تشريف وتكريم أراد تعالى به إظهار مزيته وبيان ما تنطوي عليه فطرته من الخصائص التكوينية لدرك المعارف التي لم تكن فيهم ، ومثل ذلك - ولله المثل الأعلى - أن يمتحن أستاذ تلامذته في درس من الدروس التي أملاها عليهم ويطالبهم بتحليل معانيه واستنتاج فوائده ، وهو واثق أن أفهامهم لم تستوعب ذلك ، ومداركهم لم تستجله ، وإنما يريد منهم معرفة قصورهم ، فإذا تبين لهم فشلهم قال لتلميذ آخر أيقن منه توقد الفطنة وسعة الإدراك ، قم يا فلان وأخبرهم بما لم يفهموه ، وفصل لهم ما عزب عن مداركهم وأفهامهم .

وقد قام آدم بهذه المهمة التي نيطت به خير قيام فأوضح ما انبهم من أسماء هذه الأجناس التي عُرضت على الملائكة كما يدل عليه قوله سبحانه : ( فلما أنبأهم بأسمائهم ) وعندئذ نودي عليهم من قبله تعالى بأن أسراره في خلقه ، وحكمه في أفعاله لا يحيط بها غيره سبحانه ، فليس لأحد بأن يعترضه في أمره ، إذ له سبحانه الخلق والأمر ، وهذا مطوى تحت إجابته لهم بقوله : (ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) ولم يذكر سبحانه في سالف القصة نص هذا القول وإنما ذكر مل يتضمن معناه وهو قوله لهم : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) وفي هذا دليل على أن المراد بما لا يعلمون هناك هو ما فصله هنا بأنه غيب السماوات والأرض فما حكي هنا تقرير وتفصيل لما حكي هنالك .

والأولى إجراء غيب السماوات والأرض على العموم فيدخل في ذلك كل ما انطوى عليه هذا الوجود من حقائق لم تكتنهها أفهام الخلق ، وكل ما حدث أو سيحدث في الكون من أمور لم تحط بها

٨٢٦ / ١٬٢٢٠