ماذا يبدي الملائكة ويكتمون ؟
الجزء ٣ · صفحة ٥٠ماذا يبدي الملائكة ويكتمون ؟
فيها واختلف في المراد بما يبدون وما كانوا يكتمون ، قيل ما يبدونه هو قولهم : (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) - الآية 30 البقرة - وما كانوا يكتمونه هو ما كان إبليس ينطوي عليه من العجب والكبر ، أخرج هذا القول ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو مروي عن سعيد بن جبير ومجاهد والسدى والضحاك والثوري ، واختاره ابن جرير وحمل اسناد ما كان ينطوي عليه إبليس إليهم على مثل ما تقول العرب قتل الجيش وهُزموا ، وإن كان المقتول أو المهزوم واحدا منهم ، ومثله في القرآن : ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ) ( الحجرات : 4 ) مع أن المنادي لم يكن إلا واحدا من بني تميم ، وروى ابن جرير عن الضحاك عن ابن عباس أن المراد به أن الله يعلم السر كما يعلم العلانية ، وقد علم من إبليس ما لم يعلموا إذ قالوا : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) - الآية 30 البقرة - .
وروى عن أبي العالية والربيع ابن أنس وقتادة : أن المراد بما يكتمونه هو قولهم فيما بينهم لم يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه وذلك عندما رأوا خلقه آدم حسبما روى ابن جرير وغيره ، وإنما عد ذلك مما يكتمونه مع إفضاء بعضهم به إلى بعض لأن هذا الإفضاء لم يكن إلى عموم الملائكة بل كان افضاءاً محدودا حسبما قيل ، وفي المنار عن الإمام محمد عبده أن الذي يبدونه هو ما يظهر أثره في نفوسهم وأما ما يكتمون فهو ما يوجد في غرائزهم وتنطوي عليه طبائعهم ، وقد جيء بكان الدالة على المضي مع ذكر الكتمان دون الإبداء ، قيل لأن كتمانهم كان فيما سبق أما بعد أن كشف الله أمرهم فلم يكن كتمان ، والأظهر أنها أريد بها تعميق مفهوم خبرها وهو ضرب من التأكيد كثيرا ما يجىء في القرآن نحو قوله تعالى : ( وكان الله غفوراً رحيما ) ( الفتح : 14 ) ، ففائدتها في