آدم ينبئ الملائكة
الجزء ٣ · صفحة ٤٨المخلوقات علما ، ومن كان محيطا بهذه الخفايا كلها لم تخرج شيء من أمره محلا للنقد أو الإعتراض .
وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بغيب السماوات أكل آدم وحواء من الشجرة ، والمراد بغيب الأرض قتل قابيل لأخيه هابيل ، وهو تفسير ضعيف جدا فإن غيب السماوات والأرض أوسع من ذلك بكثير ، ومن ناحية أخرى فإن كلا من الأكل أو القتل لم يكن حاصلا عندما وجه الله إلى الملائكة هذا الخطاب .
وذهب بعضهم إلى أن غيب السماوات هو ما قضاه من أمور خلقه ، وغيب الأرض هو ما فعلوه فيها بعد القضاء .
وذهب آخرون إلى أن المراد بهذا الغيب أحوال آدم التي علمها الله سبحانه قبل خلقه ، وهذا من باب قصر عموم اللفظ على خصوص السبب ، والمعول على ما صححه الأصوليون من أنه لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ وإنما دخول السبب الخاص في المراد من اللفظ العام أولوي لأنة مقطوع به ، وإبقاء اللفظ هنا على عمومه أليق بكمال الله الذي أحاط بكل شيء علما .
والاستفهام في قوله : ( ألم أقل لكم .. ) تقريري ، فإن ذلك القول لا ريب في وقوعه ، والملائكة يعلمون وقوعه ولا ينكرونه ، ومن شأن الاستفهام التقريري إذا أريد به إثبات شيء أن يدخل عليه منفيا نحو قوله : ( ألم نشرح لك صدرك ) ( 1 : الانشراح) ، وقوله : ( ألم نخلقكم من ماء مهين ) ( المرسلات : 20 ) ، وما في هذه الآية ، وهذا لأن في الاستفهام معنى النفي ، ونفي النفي اثبات ولذلك إذا أدخل على ما يراد نفيه لم يقترن بحرف النفي نحو قوله عز وجل : ( أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون )
( الواقعة : 59 ) ، وقوله : ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله )
( المائدة : 116 ) ، ولا داعي إلى ما قاله ابن عاشور من أن أداة النفي مقحمة وأن ذلك غالبي في الإستفهام التقريري لقصد التوسيع على المقرر حتى يخُيل إليه أنه يُسأل عن وقوع الشيء فإن أراد أن يزعم نفيه فقد وسع المقرر عليه ذلك ولكنه يتُحقق أنه لا يستطيع إنكاره