( وقلنا يا آدم اسكن أنت وزجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) ( الآية 35 - البقرة ) .
الجزء ٣ · صفحة ٨٦به ، فإنه خُلق لحياة الأرض التي يجد فيها العطاء والحرمان ، والأنس والوحشة ، والخير والشر ، حتى يجتازها بسلام فينقلب إلى ما أعد له من النعيم الدائم جزاء عمله وصبره ، وجهاده وكفاحه ، فكان في كل ما مر به تربية نفسية له ولذريته الذين سينوؤن بما ناء به من التكاليف ، وسيتحملون ما تحمله من مشاق حتى يعبروا طريق هذه الحياة ، وينقلب كل منهم إلى حياة أخرى يجني فيها ما غرس ، ويحصد ما زرع خيرا كان أو شرا .
وقد يقول قائل : إن آدم عليه السلام فشل في هذا الامتحان لأن الشيطان بلغ منه قصده ، فقد تمكن من إنسائه عهد الله ، وقدر على التأثير عليه حتى ارتكب ما نُهي عنه .
والجواب أن هذا لا يعد فشلا مع تدارك الأمر بالتوبة والانقلاب من الغفلة والغي والمعصية إلى أضدادها من لذكر والرشد والطاعة ، وقد أراد الله لآدم أن يكون إمام التائبين من ذريته فإنهم جميعا خطاؤون وخير الخطائين التوابون ، ولهم في أبيهم آدم – الذي ثاب إليه رشده فتعجل التوبة إلى الله – أسوة حسنة ، أما الذي يُخلد إلى هواه ويصر على غيه ويركب رأسه في عناده لله فله في الشيطان – الذي أصر واستكبر استكبارا -أسوة سيئة .
وقد نادى الله آدم باسمه العلم إيناسا وتكريما له وإشعارا بمنزلته في ذلك العلم العلوي ،والكلام معطوف على ما قبله عطف القصة على القصة كما تقدم . وقيل هو من باب عطف الجملة على الجملة ، والمعطوف عليه جملة ( وإذ قلنا للملائكة ) ( الآية 34 – البقرة ) ، والتزم أصحاب هذا القول أن قبل الجملة المعطوفة (( إذ )) محذوفة لدلالة السياق عليها وهو ضعيف جدا لأن حذف ما ينبغي أن يثبت من القرآن لا يتفق مع ما يتميز به من علو البلاغة وسمو الفصاحة ، وذهب بعضهم إلى أن المعطوف عليه (( قلنا )) السابقة، واعترض بعدم اتحاد زمن القولين مع استلزام هذا الرأي أن يكون القول الثاني مظروفا ل (( إذ )) كالذي قبله؛ وأجيب بأن (( إذ )) ليس مدلولها زمنا قصيرا بحسب ما