جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وانتم تعلمون )42

الجزء ٣ · صفحة ١٥٦

تكتموا الحق ) ، وأجاز ابن جرير أن تكون الواو للمعية والفعل

بعدها منصوبا ، ووافقه أكثر المفسرين منهم الزمخشري وابن عطية ، وخالفهم أبو حيان ، وابن عاشور ، فمنعا ذلك لأنه يلزمه أن يكون مناط النهي الجمع بين الأمرين ، فيفهم منه عدم منعهما إن فرق بينهما ، مع أن كلا منهما ممنوع لذاته ، وهذا هو الصحيح وإن حمل اعتبار الواو للمعية على قصد التعريض بهم أن من شأنهم التلبس بكلتا الخصلتين لأن الكلام مسوق مساق النهي ولم يسق مساق تعديد مثالبهم وإن كان في هذا النهي إيماء إلى أنهم متلبسون بهذه الخصال المنهى عنها ، وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه (( وتكتمون )) ، وعلى هذه القراءة فالواو حالية ، واستشكلها أبو حيان لأن من شأن الحال التقييد وهم منهيون عن لبس الحق بالباطل على أي حال ، ويندرىء هذا الإشكال بالنظر إلى أن من فائدة الأحوال كونها كاشفة ، ويستفاد من مجيئها هنا أن لبس الحق بالباطل من لازمه كتمان الحق ، وهو مما يزيد النفس نفورا عن هذا المنهى عنه ، وهذا كما يقال كيف تسيء إلى زيد وهو أخوك .

وأعيد ذكر الحق ثانية ولم يكتف بضميره إما للتأكيد وإما لأن الحق الثاني غير الأول ، فالأول ما كان

بأيديهم مما أنزل الله على أنبيائهم ، والثاني هو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عباس ومجاهد ،

وقتادة ، والسدى ، وأبو العالية ، ومقاتل ؛ أو الإسلام ، قاله الحسن .

وقوله : ( وأنتم تعلمون ) جملة حالية كاشفة لما هم عليه من معرفة الحق الذي تركوه ، والباطل الذي

ارتكبوه ، والمعصية من العالم أشد قبحا ، وأسوأ عاقبة كما يدل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( ويل لمن لم يعلم ولم يعمل مرة وويل لمن علم ولم يعمل مرتين )) ، وقيل ما كانوا يعلمونه هو صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ، وقد أخبر الله عنهم بذلك في قوله : ( يعرفونه كما يعرفون أبناءهم )

( البقرة : 146) ، وقيل هو عموم رسالته للناس

٩٣١ / ١٬٢٢٠