( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون)44
الجزء ٣ · صفحة ١٨١والأقرب أن تكون النفوس في البيت بمعنى الأرواح، وسيلانها هو خروجها.
واختلف في البر الذي كانوا يأمرون به الناس وينسون أنفسهم، وقد رُويت عن السلف في ذلك أقوال منها ما أخرجه الثعلبي والواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال نزلت هذه الآية في يهود أهل المدينة، كان الرجل فيهم يقول لصهره ولذي قرابته ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين أثبت على الدين الذي أنت عليه وما يأمرك به هذا الرجل – يعنون محمد صلى الله عليه وسلم - فإن أمره حق، وكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلون، وأخرج عنه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن إسحاق قال تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسلي، وروى عنه ابن جرير أيضا أنه قال في هذه الآية أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة، وتنسون أنفسكم، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال في هذه الآية هؤلاء اليهود إذ جاء الرجل يسألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة أمروه بالحق، وعن السُّدى أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وتقواه وينسون أنفسهم، وروى معنى ذلك عن قتادة، وقيل كانوا يأمرون بالصدقات ولا يتصدقون، وثم آراء أخرى، وهي كلها لا تخرج عن التمثيل حسب الظاهر لصدق معنى البر عليها جميعا، والأظهر أنهم كانوا يدعون إلى جميع ما تقتضيه الأوامر السابقة من ذكر نعمة الله والوفاء بعهده..... الخ، وعليه فالخطاب خاص بأحبارهم وإن كان ما قبله شاملا لعامتهم لأن الخطاب العام قد يوجه إلى الجميع ثم يندرج فيه ما هو خاص بفريق منهم، وعلى هذا فالناس المأمورون هم سائرهم، ويجوز أن يكون الخطاب شاملا لجميع بني إسرائيل إذ لا يبعد عن عامتهم أن يكونوا يأمرون غير بني جنسهم بشيء من البر مع إهمال أنفسهم فإنهم – وإن أوغلوا في الجهل – يدرون من صنوف البر ما لا يدريه غيرهم من أهل الجاهلية بسبب