24
الجزء ١١ · صفحة ٤٦٥﴿ وَعَزَّنِى فِى الْخِطَابِ ﴾ وقيل : إنه لما قال : لو بلوتني لصبرت بعث الله الملكين فتسوروا عليه فتحاكما وقضى للأول قبل سماع قول الآخر بقوله : ﴿ لقد ظلمك بسؤال ﴾ . . . الخ ، ولا حمامة ولا امرأة وإنما مثل مثالاً وقيل : بثبوتهما والذنب الحكم قبل السماع وقيل : حكمه رجلان فحكم قبل السماع وقيل : أنه ما زال يجتهد فى العبادة حتى برز له حافظاه من الملائكة فكانا يصليان معه فاستأنس بهما فقال : بم وكلتهما؟ فقالا : نكتب صالح عملك ونوفقك ونصرف عنك السوء فقال في نفسه ليت شعري لو خليت ونفسي وتمنى ذلك ليعلم كيف يكون فأمرهم باعتزاله ليعلم بأنه لا غنى به عن الله ففقدهما فجد واجتهد إلى أن ظن أنه غلب نفسه فأراه الله ضعفه بإرسال الطائر المذكور والقصة المذكورة وقيل : قال لبني إسرائيل : أعدلن بينكم ولم يستثن فابتلي وقيل : أعجبه عمله فأرسل إليه ملكين في صورة رجلين قيل جبرائيل وميكائيل فطلبا الدخول فمنعهما الحرس فتسوروا عليه وهو يصلي وقيل : تسور قوم لقتله فوجدوا عنده ناساً فادعيا التخاصم فعلم غرضهم فأراد الانتقام فظن أن ذلك ابتلاء من الله ﴿ فاستغفر ربه ﴾ أي سأله الغفران ولذا تعدى ومن قدر اللام فعلى معنى الخضوع أو معنى أنه قال لربه اغفر لي والفتن والاستغار والإنابة والغفران ولو دل على الذنب لكن لا ذنب غير أن مقام النبوة أشرف المقامات فيطالبون بأكمل الأوصاف فإذا نزلوا عنها إلى طبع البشر عاتبهم الله وغفر لهم كما قيل ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) بل قد قيل : ( أنه ما فعل ولكنه هم ) .
قال ابن عباس : لما دخل عليه الملكان فقضى على نفسه تحولا عن صورتهما وعرجا وهما يقولان يقضي الرجل على نفسه وهو يرى خروجهما وقيل : لما قضى تبسما وذهبا ولم يرهما فعلم أنه معني ﴿ فاستغفر ربه ﴾ ﴿ وَخَرَّ رَاكِعاً ﴾ أي ساجداً وعبر بالركوع عن السجود لأن فيه انحناء كالسجود وقيل خر راكعاً ثم سجد ومكث فى سجوده أربعين ليلة باكياً حتى نبت الزرع من دموعه وعلى رأسه وأكلت الأرض من جبهته وقال فى سجوده : رب زل داود أبعد ما بين المشرق والمغرب ، رب إن لم ترحم ضعف داود ولم تغفر ذنبه جعلت ذنوبه حديثاً فى الخلق من بعده سبحان الملك الأعظم الذي يبتلي الخلق بما يشاء سبحان خالق النور إلهي بأي عين أنظر إليك أي إلى رحمتك أو أنتظرها كما ينظر الظالمون من طرف خفي سبحان خالق النور إلهي بأي قدم أقوم أمامك يوم القيامة يوم تزل أقدام الخاطئين سبحان خالق النور إلهي من أين يطلب العبد المغفرة إلا من عند سيده سبحان خالق النور إلهي إني لا أطيق حر شمسك فكيف أطيق حر نارك سبحان خالق النور إلهي إني لا أطيق صوت رعدك فكيف أطيق صوت جهنم سبحان خالق النور إلهي الويل لداود من الذنب العظيم الذي أصاب سبحان خالق النور إلهي كيف تستر الخاطئون بخطاياهم دونك وأنت تشاهدهم حيث كانوا سبحان خالق النور إلهي قد علمت سري وعلانيتي فأقبل عذري سبحان خالق النور إلهي اغفر ذنبي ولا تباعدني من رحمتك لهواني سبحان خالق النور إلهي أعوذ بنور وجهك الكريم من ذنوبي التى أوبتني سبحان خالق النور إلهي فررت إليك بذنوبي واعترفت بخطيئتي اللهم رب اغفر للخاطئين ولا تخزني يوم الدين سبحان خالق النور؛ وجاءه جبريل على تمام الأربعين يوماً التي سجدها ولم يأكل ولم يشرب فقال : أن الله قد غفر لك ما هممت به فدام على بكائه على هيئة من يصدق بالغفران فقال له ما أشبه أولك بآخرك! فقال داود علمت أن الله قادر ولكنه عدل لا يميل فكيف بأورياء إذا جاء يوم القيامة فقال ربي دمي الذي عند داود فقال جبرائيل ما سألت ربي عن ذلك وإن شئت فعلت؟ فقال : نعم فعرج جبريل وسجد داود ما شاء الله ثم نزل جبريل فقال : سألت الله يا داود عن الذي أرسلتني إليه فقال : قل لداود أن الله يجمعكما يوم القيامة فيقول له هب لي دمك الذي عند داود فيقول هو لك يا رب فيقول فإن لك في الجنة ما شئت عوضاً وقيل : نودي يا داود أجائع أنت فتطعم أم ظمآن فتسق أم مظلوم فتنصر فاشتد عليه الأمر لأنه أجيب في غير مطلب فنحب نحبة احترق لحرها العشب ثم أنزل توبته وقيل : قال الله ( قد غفرت لك ) فقال كيف وأنت لا تظلم أحداً؟ فقال : اذهب إلى قبر أورياء فناده وأنا أسمعه نداءك فتحلل منه فانطلق وقد لبس المسوح حتى جلس على غبره ونادى يا أورياء فقال من ذا الذي قطع عليّ لذاتي وأيقظني؟ قال : أنا داود قال ما جاء بك يا نبي الله؟ قال أسألك أن تجعلني في حل مما كان مني إليك قال وما كان منك إليّ قال : عرضتك للقتل قال : عرضتني للجنة فأنت في حل فأوحى الله يا داود ألم تعلم أني حكم عدل لا أقضي بالتعنت إلا ما أعلمته أنك قد تزوجت امرأته فرجع فناداه فأجابه من ذا الذي قطع عليّ لذتى قال أنا داود قال يا نبي الله أليس قد عفوت عنك؟ قال نعم ولكني فعلت بك لمكان امرأتك أي لمكانها في قلبي وقد تزوجتها فسكت ولم يجبه فدعاه مرة أخرى فلم يجبه فدعاه فلم يجبه فقام عند قبره يحثو التراب على رأسه قائلاً الويل لداود إذا نصبت الموازين بالقسط؛ سبحان خالق النور! الويل لداود حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى النار سبحان خالق النور .