باب: آية رابعة [الولاية بين المهاجرين والأنصار ولاية ميراث]
الجزء ١ · صفحة ٢٦١<261> الظاهر خَاصَّةً، فقد جعل لولاية الحقيقة طريقا غير الكِتَاب وَالسُّنَّة.
فإن قال: بل وجبت هاهنا بظاهر الخطاب، وَصَحَّت الهجرة والفقر، ولا أبلغ من قسمته الفيء عَلَيْهِم بِالكِتَابِ، قد أوجب الذين صَحَّ قسمته الغنيمة لهم أَنَّهُم هم الصادقون.
قلنا: صادقون في كُلِّ شَيْء؟ فإن قال: لا، فقد رجع عن قوله وخطَّأ نفسه، وكفينا مؤنته؛ لأَنَّهُم كيف يكونون صادقين عَلَى العموم ولا يكونون صادقين في كُلِّ شَيْء. فإن قال: صادقون في كُلِّ شَيْء، قلنا: فإذًا مقتل عثمان كان حَقًّا أم باطلا، ومقتل أهل النهر كان حَقًّا أم باطلا؟ فإن قال: كانوا جميعا فيه محقِّين، فقد كابر عقله، فإن قال: كان بعضهم محقًّا دون بعض، قلنا: فغير المحقِّ صادق أم لا؟ فإن قَالَ: صادق فقد أحال. فإن قال: كاذب، قلنا: فهاهنا فريق ليسوا من الذين وصفهم الله، فلا يجد من ذَلِكَ بدًّا.
فصل ["الصادقون" عموم يمكن تخصيصه، مع نماذج مختصرة للتخصيص]
ثُمَّ إِنَّ الله تَعَالىَ قال: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة: 119]، وقد سَمَّى هَؤُلاَءِ الصادقين الذين تنازعوا في إمامة عثمان وعليٍّ لاَ بُدَّ فيهم من كاذبٍ، فكيف [لنا] أن نكون معهم، ومن أين لنا تصديقهم وهم يخطِّئون بعضهم بَعْضًا، فلا يستقيم الآن المراد بالصادقين بعضهم دون جميعهم.
كما وصف الذين أخرجوا من ديارهم لأَوَّلِ الحشر، وهم بنو النضير بِأَنَّهُم الذين كفروا، وقد صَحَّ إسلام بعضهم وإيمان بعضهم وسعادته بالحقيقة. فصفيَّة بنت حيي زوجة النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم منهم.
كما قال في أصحاب القرية: ﴿إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [سورة يس: 13]، فقال: ﴿بَلَ اَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ [سورة يس: 19]، فَإِنَّ المسرفين هم أصحاب النار. ثُمَّ قال: ﴿وَجَآءَ مِنَ اَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [سورة يس: 20]، إلى قوله: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ [سورة يس: 26].
وكما قال: إِنَّهُ قد تاب عَلَى المهاجرين والأنصار الذين اتَّبعُوا رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم في ساعة العسرة، وفيهم من صَحَّ بعد ذَلِكَ نفاقه، فرجع الخطاب إلى بعض دون بعض، وليس هَذَا بمنكر في القرآن، فَإِنَّهُ نزل عَلَى لغة العرب، وقد يقول قائلهم: كسا الأمير الحُجَّاج، ويقول: جاء الحجَّاج، ويقول: لقيت الحجَّاج، وهو يريد بعضهم، فَإِمَّا أولى بنا أن نخصَّ هَذَا عَلَى هَذَا الترتيب، وليس فيه انتقاص الحكمة، أو نخصَّ آيات أخرى بقدح في الحكمة، عَلَى ما سيأتي بيانه بعد تمام القول في الآيات.
باب: آية رابعة [الولاية بين المهاجرين والأنصار ولاية ميراث]
وَأَمَّا قوله: ﴿اِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَالذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُم مِّنْ وَّلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [سورة الأنفال: 72]، قرئت: «وِلاية» و «وَلاية» بالكسر والفتح، قال: والكسر بمنزلة الخياطة والقصارة؛ لأَنَّ فيها ضربا من الصناعة والعمل والله أعلم.
ففي كِتَاب النقَّاش: إِنَّ قوله: ﴿اِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا﴾ يعني: الذين صدقوا بتوحيد الله، ﴿وَهَاجَرُوا﴾ إلى المدينة، ﴿وَجَاهَدُوا﴾ العدوَّ ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فَهَؤُلاَءِ المهاجرين [كذا] ثُمَّ ذكر الأنصار فقال: ﴿وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا﴾ آوَوا النَّبِيَّ ونصروه، والإيواء