كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

[تخصيص المؤمنين والصالحين من الصحابة بالمغفرة]

الجزء ١ · صفحة ٢٦٣

<263> لاسيما في الولاية بالحقيقة، فَإِنَّهَا شهادة غيب لا يقطع بها عَلَى غلبة ظنٍّ ولا قياس، ولم نلتجئ إلى هَذَا الأصل في كُلِّ آية إِلاَّ لقوَّته واستقامته وصحَّته في جميع ذَلِكَ. فقد أتينا عَلَى جملة أَصلِيَّة وَأَدِلَّة عدليَّة كافية عن تبيين ما خصَّ هَذِهِ الآيات من آيات غيرها، فَإِنَّ ذَلِكَ غير لازم لها في حكمنا بالظاهر عَلَى المحدثين، فَإِنَّا متى حال بيننا وبين الحكم بجواز القطع عَلَى هَذِهِ الآيات حائل منع عن الحكم بالتعيين لأحد بالسعادة لزمنا الحكم بالظاهر، وساغت البراءة التي أنكرها المعارض. وَهَذَا المعنى قد حصل باحتمال هَذِهِ الآيات التخصيص لو لم يَصِحَّ ما خصَّها، كيف وقد اتَّضَحَ وَصَحَّ ما خصَّها من الآيات الخَاصَّة لقصصها خَاصَّةً، والآيات المشتمل عَلَيْهَا في العموم، وسيأتي بِذَلِكَ كشفا للغمَّة، وحسما للشوكة، والرِّيَب المدلهمَّة، والله المعين عَلَى الهداية، وهو وليُّ التوفيق والكفاية، بمنِّه وكرمه، فقد اندفع بحمد الله هَذَا الاعتراض، وانكشف لبسه بما أوردناه من نظائره، ولم يبق إِلاَّ شبهة واحدة.

باب: بيان تخصيص هَذِهِ الآيات بأمثالها من القرآن

[تخصيص المؤمنين والصالحين من الصحابة بالمغفرة]

وَأَمَّا ما خصَّ هَذِهِ الآيات التي ذكرها المعارض من كِتَاب الله فآيات مفترقة في القرآن كافتراق هَذِهِ الآيات فيه، فمنها في آخر سورة الفتح: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنَ اَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِنجِيلِ كَزَرْعٍ اَخْرَجَ شَطْأَهُ فَئَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [سورة الفتح: 29]، فَهَذَا ما وصف الله تَعَالىَ به المسلمين في أَوَّل الإِسلاَم، إذ كانوا في قِلَّة وضعف، فلم يزالوا يكثرون ويقوون كالزرع يبدو ضعيفا حَتَّى إذا استوى عَلَى سوقه قوي، فَكَذَلِكَ المسلمون، كثَّرهم الله تَعَالىَ ليغيظ بهم الكُفَّار.

ثُمَّ قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة الفتح: 29]، فقال: ﴿مِنْهُم﴾ ولم يقل: «وعدهم»، فَهَذِهِ آية خصَّت وفسَّرت المجمل الذي جاء في تلك الآيات.

كما قال الله تَعَالىَ في الملائكة: إِنَّهُم يَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ (1)، ثُمَّ قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [سورة غافر: 7]، فَهَذِهِ خصَّت عموم الأخرى، وفسَّرت ذَلِكَ الفعل المحتمل للعموم والخصوص.

فَكَذَلِكَ قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ وَالذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [سورة التوبة: 100]، وقال: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيءِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [سورة التوبة: 117]، وقال: ﴿فَالذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [سورة آل عمران: 195]، وقد وجدنا فيمن شملته الجملة من المهاجرين والأنصار من قد صَحَّ نفاقه وكفره، كعبد الله بن أبي [بن] سلول وأصحابه، وطعيمة بن أبيرق سارق الدرع، الذي أنزل فيه: ﴿وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾ [سورة النساء: 105]، وكالذين قال الله تَعَالىَ فيهم: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [سورة النساء: 88]، هم قوم

(1) وَذَلِكَ في قَوله تَعَالىَ: ﴿وَالْمَلآَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الاَرْضِ﴾ (سورة الشورى: 5).

٤٧ / ٥٣