كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

باب: آية خامسة [عموم الآية محتمل للتخصيص]

الجزء ١ · صفحة ٢٦٢

<262> بالإسكان والمعونة، كقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَئَاوَى﴾ [سورة الضحى: 6]، ثُمَّ جمع المهاجرين والأنصار فقال: ﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ في الميراث، ليرغِّب بِذَلِكَ في الهجرة، ألا تراه [يقول] (1): ﴿وَالذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُم مِّنْ وَّلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ﴾، ففي كِتَاب النقاش والضياء: إِنَّ ذَلِكَ في المواريث ليس في الدين، وفي الأثر: إِنَّ ذَلِكَ في الدين والمواريث، ثُمَّ نسخ ذَلِكَ بقوله في آية أخرى: ﴿وَأُوْلُوا الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [سورة الأنفال: 75]، فَلَمَّا صَحَّ أَنَّ الآية الأولى إِنَّمَا نزلت إيجابا للهجرة وحثًّا عَلَيْهَا، وترغيبا فيها دون الحكم للأشخاص الفاعلة لها إِلاَّ بالقيام بها لم يجز القطع للأشخاص بسعادة ولا شقاء، بل ذَلِكَ راجع إلى السبيل والأمر الذي فُرض، ووجوب الرضا لأهله في الجملة، كوجوب الإيمان للذين كانوا أعداء فألَّف بين قلوبهم فأصبحوا إخوانا، وهو [كذا] الأوس والخزرج عَلَى ما بَيَّنَا، وقد خرج من خرج منهم من المنافقين، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى التخصيص، فَكَذَلِكَ هَؤُلاَءِ وإن ثبت لهم وفيهم الحكم قطعا بالولاية فَإِنَّهُ في الجملة المحتملة للتخصيص المانع من اعتقاد الولاية لهم قطعا بالحقيقة، فانظر فيه وبالله التوفيق.

باب: آية خامسة [عموم الآية محتمل للتخصيص]

وَأَمَّا قوله: ﴿وَالذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُومِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سورة الأنفال: 74]، فَإِنَّهُ وإن كان مطلقا خرج مخرج العموم فَإِنَّهُ محتمل للتخصيص عَلَى ما قَدَّمنا ذكره، وما احتمل التخصيص وَإِنَّمَا أطلق عَلَى فريق في الجملة كإطلاق الوعيد عَلَى الذين اتَّخَذُوا العجل، فلا يجوز فيه لأحد أن يقضي فيه عَلَى الحقيقة لأحد بعينه عَلَى الانفراد، فَإِنَّ ذَلِكَ قضاء بالعموم عَلَى الحقيقة، ولا يجوز القضاء عَلَى خطاب بالعموم عَلَى الحقيقة، وقد جاء مثله عَلَى الخصوص، سواء ثبت خصوصه من الكِتَاب أو السُّنَّة أو الإجماع أَو حجَّة العقل، فإذا كان ذَلِكَ الخطاب قَدْ جاء في مثله التخصيص ضاق نفي التخصيص بحجَّة ظاهر الخطاب، إذ لو كان الخطاب موضوعا عَلَى الحقيقة للعموم لكان تخصيصا (2) من غير استثناء مُتَّصِل تخطئة وتكذيبا له.

فإن قال قائل: أَمَّا ما صَحَّ تخصيصه من الكِتَاب أو السُّنَّة أو الإجماع أو العقل فلا كلام فيه، ولا حجَّة لكم به، فما لم يَصِحَّ فيه تخصيص فَإِنَّ هَذَا عَلَى العموم حَتَّى يَصِحَّ عندنا ما يَخُصُّه.

قلنا: مَنِ الذي كَلَّفنا أن نعتقد في العموم دون الخصوص؟ في أيِّ موضع لزمنا ذَلِكَ؟. فلا يجد حجَّة إِلاَّ قولهم: إِنَّ الخطاب عَلَى العموم حَتَّى يَصِحَّ التخصيص، وَهَذَا الحكم لم نجده في الكِتَاب ولا في السُّنَّة ولا في الإجماع، بل جاء الاختلاف بالرأي في مثل هَذَا، وقد قَدَّمنا من شرح هَذَا المعنى ما فيه مقنع، ومتى ساغ التخصيص في خطاب مطلق ساغ في مثله، وَإِنَّمَا أوردنا ما صَحَّ تخصيصه بغير اتِّصَال تنبيها مِنَّا عَلَى احتمال الخصوص في جميع المجملات، كانت مُعَيَّنة أو مبهمة لا يجوز القطع عَلَيْهَا بتخصيص ولا عموم إِلاَّ بدليل قاطع، وَإِلاَّ فالإمساك أولى بنا في المحتملات،

(1) إضافة من تعليق الثميني في الحاشية.

(2) لَعَلَّ الصواب: «لكان أيُّ تخصيص».

٤٦ / ٥٣