التنبيه الحادي عشر من خاف الله لم يشف غيظه
الجزء ٣٣ · صفحة ٤٠٦التَّنْبِيهُ التَّاسِعُ : الْخَوْفُ إمَّا مِنْ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ خَوْفُ الْعُلَمَاءِ وَأَرْبَابِ الْقُلُوبِ الْعَارِفِينَ مِنْ صِفَاتِهِ مَا يَقْتَضِي الْهَيْبَةَ وَالْخَوْفَ وَالْحَذَرَ ، الْمُطَّلِعِينَ عَلَى سِرِّ قَوْله تَعَالَى : ﴿ وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ ، وقَوْله تَعَالَى : ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ ، وَإِمَّا مِنْ عَذَابِهِ وَهُوَ خَوْفُ عَامَّةِ الْخَلْقِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِأَصْلِ الْإِيمَانِ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَكَوْنِهِمَا جَزَاءً عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ ؛ وَضَعْفُهُ سَبَبُ الْغَفْلَةِ ، وَسَبَبُ ضَعْفِ الْإِيمَانِ وَنُزُولِ الْغَفْلَةِ بِالتَّذْكِيرِ وَمُلَازَمَةِ الْفِكْرِ فِي أَهْوَالِ الْحَشْرِ وَعَذَابِ الْآخِرَةِ بِأَصْنَافِهِ ، وَالْأَوَّلُ أَعْلَى وَهُوَ خَوْفُ الْعَبْدِ مِنْ اللَّهِ ، قَالَ ذُو النُّونِ : خَوْفُ النَّارِ عَنْهُ خَوْفُ الْفِرَاقِ كَقَطْرَةٍ قَطَرَتْ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ وَلِعَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ حَظٌّ مِنْهُ وَلَكِنْ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ يُضَاهِي خَوْفَ الصَّبِيِّ مِنْ الْحَيَّةِ تَقْلِيدًا لِأَبِيهِ ﴿ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ النَّاسِ خَوْفًا ، حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى طِفْلٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ سُمِعَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ : اللَّهُمَّ قِه عَذَابَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ ، وَسَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ : هَنِيئًا لَكَ ، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ ، فَغَضِبَ وَقَالَ : مَا يُدْرِيكَ أَنَّهُ كَذَلِكَ ، وَاَللَّهِ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَمَا أَدْرِي مَا يُصْنَعُ بِي ، إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا لَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ ﴾ ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْأَطْفَالَ كُلَّهُمْ أَوْ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ .
وَرُوِيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ عَلَى جِنَازَةِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ، وَكَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ لَمَّا قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ ، فَكَانَتْ تَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ : وَاَللَّهِ مَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَ عُثْمَانَ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ خَوْلَةَ : وَاَللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَ