شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في الحرام والريبة وأحكام ذلك

الجزء ٣٤ · صفحة ٨٢

( وَلَا يَتْرُكُ طَعَامًا شَكَّ فِي نَجَسِهِ ) بَلْ يُوَكِّلُ أَوْ يُعْطِي دَابَّةً ، وَإِنْ بَاعَهُ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ شَكَّ فِيهِ وَهُوَ عَيْبٌ ، وَكَذَا اللَّبَنُ وَالزَّيْتُ وَغَيْرُهُمَا ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُتَشَابِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لَدِينِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ ﴾ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ : الْمُشْتَبَهُ مَا لَيْسَ بِوَاضِحِ الْحِلِّ أَوْ الْحُرْمَةِ مِمَّا تَنَازَعَتْهُ الْأَدِلَّةُ وَتَجَاذَبَتْهُ الْمَعَانِي وَالْأَسْبَابُ ، فَبَعْضُهَا يُعَضِّدُهُ دَلِيلُ الْحَرَامِ ، وَبَعْضُهَا يُعَضِّدُهُ دَلِيلُ الْحَلَالِ .

وَمِنْ ثُمَّ فَسَّرَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا الْمُشْتَبَهَ بِمَا اُخْتُلِفَ فِي حِلِّ أَكْلِهِ كَالْخَيْلِ ، أَوْ شُرْبِهِ كَالنَّبِيذِ ، أَوْ لُبْسِهِ كَجُلُودِ السِّبَاعِ ، أَوْ كَسْبِهِ كَبَيْعِ الْعِينَةِ ، وَفَسَّرَهُ أَحْمَدُ تَارَةً بِاخْتِلَاطِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَحُكْمُ هَذَا أَنَّهُ يُخْرِجُ قَدْرَ الْحَرَامِ وَيَأْكُلُ الْبَاقِي عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، سَوَاءٌ قَلَّ الْحَرَامُ أَوْ كَثُرَ ، وَمِنْ الْمُشْتَبَهِ مُعَامَلَةُ مَنْ فِي مَالِهِ حَرَامٌ ، فَالْوَرَعُ تَرْكُهَا مُطْلَقًا ، وَإِنْ جَازَتْ ؛ وَقِيلَ : وَاعْتَمَدَهُ الْغَزَالِيُّ إنْ كَانَ أَكْثَرُ مَالِهِ الْحَرَامَ حَرُمَتْ مُعَامَلَتُهُ ثُمَّ الْحَصْرُ فِي الثَّلَاثَةِ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ إنْ نَصَّ أَوْ أَجْمَعَ عَلَى الْفِعْلِ فَالْحَلَالُ ، أَوْ عَلَى الْمَنْعِ جَازِمًا فَالْحَرَامُ ، أَوْ سَكَتَ عَنْهُ أَوْ تَعَارَضَ فِيهِ نَصَّانِ ، وَلَمْ يُعْلَمْ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا فَالْمُشْتَبَهُ ، وَلِكَوْنِهِ أَشْكَلَ الثَّلَاثَةِ مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى مَزِيدِ بَيَانِهِ وَإِيضَاحِهِ ، فَالْحَلَالُ الْمُطْلَقُ مَا انْتَفَى عَنْ ذَاتِهِ الصِّفَاتُ الْمُحَرَّمَةُ وَعَنْ أَسْبَابِهِ مَا يَجُرُّ إلَى خَلَلٍ فِيهِ ،

١٦٬٥٨٢ / ١٧٬٤٣٨