شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في الحرام والريبة وأحكام ذلك

الجزء ٣٤ · صفحة ٩١

، وَمِثْلُهُ مَا لَمْ يُنَازِعْهُ شَيْءٌ ، مِمَّا مَرَّ لَكِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ سَبَبُ حِلِّهِ وَلَا حُرْمَتِهِ كَشَيْءٍ وَجَدَهُ بِبَيْتِهِ وَلَمْ يَدْرِ هَلْ هُوَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ ، أَوْ تَقْوَى الشُّبْهَةُ بِأَنْ يَكُونَ مَحْظُورٌ مِنْ جِنْسِهِ وَيَشُكُّ هَلْ هُوَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، وَحِينَئِذٍ اخْتَلَفُوا فِيمَا يُؤْخَذُ بِهِ فَقِيلَ بِحِلِّهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ كَالرَّاعِي يَرْعَى ﴾ إلَخْ ، فَتُكْرَهُ مُوَاقَعَتُهُ وَالْوَرَعُ تَرْكُهَا ، لِأَنَّ الْوَرَعَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ تَرْكُ قِطْعَةٍ مِنْ الْحَلَالِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ ، وَقِيلَ بِحُرْمَتِهِ لِأَنَّهُ يُوقِعُ فِي الْحَرَامِ وَلِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَهُ قَسْمًا لَهُمَا ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ قَالَ النَّوَوِيُّ : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ فِيهَا بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ وَلَا إبَاحَةٍ وَلَا غَيْرِهَا إذْ لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ إلَّا بِالشَّرْعِ .

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَدَلِيلُ الْحِلِّ أَنَّ الشَّرْعَ أَخْرَجَهَا مِنْ قِسْمِ الْحَرَامِ ، وَأَشَارَ أَنَّ الْوَرَعَ تَرْكُهَا بِقَوْلِهِ : ﴿ دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ ﴾ ، وَمَنْ عَبَّرَ بِأَنَّهَا حَلَالٌ يَتَوَرَّعُ عَنْهَا أَرَادَ بِالْحَلَالِ مُطْلَقَ الْجَائِزِ الشَّامِلِ لِلْمَكْرُوهِ لِقَوْلِهِ : يَتَوَرَّعُ عَنْهَا ، لِأَنَّ الْمُبَاحَ الْمُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ وَرَعٌ مَا دَامَا مُسْتَوِيَيْنِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الرَّاجِحُ التَّرْكَ كُرِهَ أَوْ الْفِعْلَ نُدِبَ لَا يُقَالُ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ زَهِدُوا فِي التَّنَعُّمِ فِي الْمَأْكَلِ وَغَيْرِهِ مَعَ إبَاحَتِهِ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا زَهِدُوا فِي مُتَرَجَّحِ التَّرْكِ شَرْعًا ، وَهَذِهِ حَقِيقَةُ الْمَكْرُوهِ ، لَكِنَّهُ تَارَةً يُكَرِّهُهُ الشَّرْعُ لِذَاتِهِ كَأَكْلِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَنَا

١٦٬٥٩١ / ١٧٬٤٣٨